تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه النكتة التي تعتبر ها هنا وعليها يعتمد الحذاق. لكن وقع في الروايات ما يصعب معه ضبط المذهب على التحقيق. فلهذا أكثر المتأخرون الكلام في هذا الوجه، واختلفت طرائقهم في تأويل الروايات فيه. لا سيما ما وقع في المدونة في هذه من ألفاظ موهمة تكاد أن تشوش الخاطر.

وذلك أنه ذكر أن المشتري إذا قال: أشتري على إن رضي فلان. فإن المشتري لا يعتمد على ما يبدو منه من إمضاء البيع أو رده، وإنما يكون الإمضاء والرد الموقوفين على هذا الثالث الذي اشترط المشتري رضاه.

وذكر في البائع إذا باع على رضى فلان، فرضي البائع أو رضي فلان، فإن البيع نافذ. فعلق نفوذه برضى البائع المشترط هذا الشرط إن سبق إلى ذلك، أو برضى الثالث إن سبق إلى ذلك.

وقد اعتمد جماعة من الأشياخ الحذاق أن هذا منه تفرقة بين حكم البائع في هذا الاشتراط وبين حكم المشتري إذا كان هو المشترط. وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد ابن أبي زيد ومن بعده من حذاق المتأخرين من القرويين وإليه ذهب ابن لبابه.

وذهب غير هؤلاء إلى أنه لم يقصد في المدونة إلى تفرقة بين البائع والمشتري. واعتذروا عن ظاهر هذه التفرقة بأن المراد ما ذكره في المشتري كونه اشترط هذا الشرط لكون ذلك حقا له في نفسه وحقا للبائع. وقد قدمنا أن هذا

الشرط إذا قصد به الاشتراط بين المتبايعين، لم يقض على مشترطه بحق الآخر فيه. فقدر هؤلاء الجواب إنما اختلف لاختلاف السؤالين.

ومنهم أيضا من صار في تأويل ما وقع في المدونة إلى طريقة أخرى.

فقال: قد وقع في بعض ألفاظها: إن رضي البائع نفذ البيع. فلم يذكر ها هنا سوى رضي البائع. ولم يتكلم على رضي هذا الثالث إن سبق بالرضى إلى هذا البيع. فظاهر هذا وقف الأمر على رضاه خاصة. وهكذا يجب أن يوقف أيضا الأمر على رده. فيقدر هؤلاء أن هذا يشير إلى اعتبار ما يقوله المشترط دون ما يقوله هذا الثالث. ويقتضي هذا أن يكون المشتري كذلك. ويكون هذا مطابقا لما ذكره ابن حبيب في واضحته (من البائع والمشتري) (1) استويا في قصد هذا الإشتراط على من اشترطه منهما, ولا اعتبار بما يقوله الثالث المشترط رضاه. إلى هذا ذهب ابن لبابة.

ومن المتأخرين من جعل هذا الاشتراط حقا مشتركا بين البائع والمبتاع، وجعل لكل واحد من المتبايعين حقا في الإمضاء خاصة مشترك أبي نهما. فإن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع إمضاء البيع ورده هذا الثالث، فإن من حق البائع الذي اشترطه أن يمضي هذا البيع على المشتري وإن كرهه، ولا مقال للمشتري لأجل رد هذا الرجل الثالث له. وإن رضي الثالث إمضاء البيع ورده البائع، فإن للمشتري التمسك بالبيع لأجل إمضاء الثالث له لما تعلق له به حق.

وكذلك إذا اشترط هذا المشتري رضي رجل ثالث، فإن هذا الثالث إن أمضى البيع ورده المشتري، فإن للبائع أن يطالب المشتري بإمضائه، لجرى (2) في المشتري على الأسلوب الذي قدمنا في البائع. ويتعلق هؤلاء بقوله في المدونة: إن اشترط البائع رضي فلان فرضي البائع أو رضي فلان، نفذ البيع. فقصد اعتبار السبق على الإمضاء لا على الفسخ.

والأظهر من هذه التأويلات أنه في المدونة فرق بين البائع والمشتري.

وإليه يشير القاضي أبو محمد عبد الوهاب، وذلك أنه ذكر أن البائع إذا كان هو المشترط رضي هذا الثالث، فإن له مخالفة هذا الثالث. وإن كان المشتري هو الذي اشترط رضي هذا الثالث، فإن ابن القاسم اختلف هل له مخالفة هذا الثالث أم لا؟ فأشار إلى ارتفاع الخلاف في جنبة البائع وحصوله في جنبة المشتري.

واعتل بالمساواة بينهما، في كون كل واحد منهما له مخالفة هذا الثالث، بأن هذا الثالث فرع عنهما, ولا يمكن أن يثبت الحق للفرع ولا يثبت للأصل.

واعتل للتفرقة بأن البائع أقوى سببا من المشتري لكون الملك ثابتا له، فلا يكون غيره أكثر تحكما في ملكه الثابت منه هو في نفسه. والمشتري لا ملك له على المبيع، وعقده لأجل الخيار محلول، ولا يملك التحكم في هذا وهو لم يستقر ملكه عليه دون من اشترط رضاه.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٤٢