لا يفتقر إليه.
وأبو حنيفة يوافق على صحة شراء الأقارب الذين يعتقون وإن كان عقد الشراء يقتضي عتقهم، ويفسد العقد على عبد أجنبي بشرط أن يعتقه المشتري لما فيه من التحجير المناقض لحقيقة الملك. بخلاف عتق الأقارب الذي لم يجب عتقهم بالاشتراط من جهة البائع، فيكون ذلك تحجيرا منه (1)، بل بعد صحة الملك وإيجاب الشرط. عتقهم. وإن امتنع من ذلك البائع والمشتري بعد صحة الشراء (1)، فهذان موقعان يقع العقد عليهما، ويصح أن يقصد المتبايعان إليهما.
وموقع ثالث، وهو أن يشتري ذلك شراء مطلقا من غير تعيين لأحد الموقعين الأولين. فرأى بعض أشياخنا صرف الخلاف إلى هذا الموقع، وبناه على حمل هذا الإطلاق للشرط على حكم أن العتق مصروف إلى إرادة المشتري، أو على أنه نافذ للحرية بعقد الشراء. وإشارة غيره إلى صرف الخلاف إلى موقع ظاهره خلاف هذا، وهو أن يشترط العتق على جهة الإيجاب له على نفسه. فيكون هذا الإيجاب عند ابن القاسم لا يوجب جبره، ويكون ذلك عند أشهب يوجب جبره. ويعتضد هذا المتأول للخلاف على هذا الوجه بما وقع في مسألة المدونة في قول الإنسان: لله علي عتق رقيقي. وما ذكر في المدونة من ذهاب أشهب إلى كون هذا القائل يجبر على الوفاء بهذا النذر. وإذا جره (2) أشهب على هذا مع كون هذا الإيجاب لم يتعلق عقد معاوضة عليه بل حق للعبد، فأحرى أن يجب ذلك فيما تعلق به حق هذا العبد المشترى بهذا الشرط.
وكون هذا الإلزام وقع عن معاوضة، وعقود المعاوضة تلزم ويجبر عليها من امتنع من مقتضاها. وهذا التنازع يتصور قسما رابعا على ظاهر مقتضى لفظ الإيجاب، وأما على ما أشار إليه في الموازية من تصير معنى الإيجاب أنه يعتق بعقد الشراء، فإن هذا يعود إلى ما قدمناه ولا يكون قسما رابعا.
والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: قد علم أن بيع الخيار لا يجوز أن
يعقد على اشتراط النقد فيه. وأما بيع العبد بشرط أن يعتقه مشتريه، فإنا قدمنا ذكر الخلاف في إجبار المشتري على هذا العتق. ولا يخفى أنه إذا كان على ذلك مجبورا أن هذا العقد غير مترقب رده, فيجوز فيه اشتراط النقد كما يجوز ذلك في البيع الذي لا خيار فيه ولا يترقب بطلانه. وأما على مذهب ابن القاسم فتنازعه الأشياخ في هذا، فمنهم من منع اشتراط النقد فيه لما أمكن أن يمتنع المشتري من إيقاع العتق، فيكون من حق البائع الرضى بإمضائه على إسقاط هذا الشرط، أو استرجاع العبد. فإذا استرجعه وجب أن يرد ما كان انتقده، فيكون ما اشترط انتقاده كالسلف عند (1) ورده لما انتقض البيع.
ومنهم من ذهب إلى جواز اشتراط النقد في هذا، ورأى أنه بخلاف بيع الخيار, لأن بيع الخيار لم يصرح حين انعقاده يكون هذا العقد في حق مشترط، مقبولا عنده أو مردودا. فترقب رده كترقب إمضائه لا مزية لأحدهما على الآخر، فلهذا منع من شرط النقد فيه. وأما من اشترى عبدا على أن يعتقه، فإن ظاهر العقد يقتضي كون هذا العقد عند المشتري على القبول حتى يرجع عما أظهر من القبول والتزام شرطه، حتى صار هذا القبول له والالتزام موجبا عند أشهب أن يمنع المشتري من رد هذا العبد. وإذا كان الأمر كذلك فارق هذا بيع الخيار الذي هو على الوقف، وضارع بيع البتات الذي هو على الإمضاء، ولهذا كان ضمان هذا العبد من مشتريه، وإن ترقب رده بامتناعه من العتق، وبيع الخيار ضمان العبد فيه من بائعه، ولو كان الخيار مما اشترطه المشتري في المشهور من المذهب. وهذا عندي يؤكد طريقة هؤلاء القائلين بجواز اشتراط النقد في هذا العقد. على أنه ذكر في الموازية امتناع المشتري من إيقاع العتق مدة لا يجوز ضربها في بيع الخيار، وما ذلك إلا لكون هذا العقد خارجا عن أحكام بيع الخيار، وإن كان بعض المتأخرين أشار إلى اعتذار عن هذا فقال: لعل التأخر هذه المدة الطويلة لم يبن أصل العقد عليه، ولكن التأخر اتفق بعد صحة العقد لعذر اقتضاه.