تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والقسم الثاني أن يوقع المشتري معنى في المبيع في حال كونه مالكا له.

وذلك يكون على قسمين أيضا، أحدهما: أن يكون معنى من معاني البر،

والثاني: ألا يكون فيه معنى من معاني البر.

والذي من معاني البر على قسمين: إما أن يكون معجلا أو مؤجلا.

فإن كان من معاني البر التي تقع في الملك وهو أمر معجل، فهي المسألة التي نحن بصددها، وهو أن يبيع عبده على أن يعتقه المشتري. وقد اختلف الناس في هذا البيع. فذهب مالك والشافعي إلى جوازه وجواز ما قارنه من الشروط. وذهب أبو حنيفة إلى فساده والمنع من عقده. لكنه مع ذهابه إلى فساده قال: إنه إذا فات الأمر فيه، مضى بالثمن. وقال صاحباه: بل إنما يمضي بالقيمة كسائر البياعات الفاسدة التي ذهبا هما وشيخهما أبو حنيفة إلى أن الواجب فيها إذا فاتت القيمة. فأبو حنيفة يحتج على فساد هذا البيع بما قدمناه عنه من أنه عليه السلام نهى عن بيع وشرط (1). والنهي يدل على فساد المنهي عنه، كما قدمنا ذكره وذكر تفصيل الخلاف فيما سلف. ويحتج أيضا بأنه مبيع قصر المالك فيه عن اختياره في التصرف الواجب له بحق الملك، فأشبه من باع جارية على ألا يطأها مشتريها، أو على ألا يهبها, ولا يبيعها. ونحن والشافعي نرد عليه بحديث بريرة، وهو قد ورد متضمنا لمعنى هذه المسألة التي اختلفنا فيها. وذلك أنه ذكر فيه أن بريرة أتت عائشة، رضي الله عنها، فسألتها أن تعينها في كتابتها، وشكت إليها كون الأداء أعياها، فقالت لها عائشة، رضي الله عنها، ما ذكر في الحديث عنها وعن التابعين وعن النبي عليه السلام. ثم مع هذا أمضى عليه السلام الشراء، وأبطل اشتراط الولاء. ولا معنى لقولهم: إن الذي جرى في الولاء إنما كان قبل انعقاد البيع, لأن ظاهر الخبر أن البيع عليه وقع. وكذلك لا حجة لهم يكون الخبر متروك الظاهر لأنه تضمن جواز بيع المكاتب, لأنا نتأوله على أنها عجزت فبيعت. وكذلك لا مستروح لهم في أمره عليه السلام لها بأن تشترط لهم الولاء، مع كون ذلك لا يجوز، لكونه قد قيل: (لهم) ها هنا

بمعنى: عليهم. وقيل أيضا: معنى اشترطي لهم الولاء أي: بيني لهم حكمه.

وقيل أيضا: هذه رخصة خصت بها عائشة لما اقتضته المصلحة من العقوبة بفسخ البيع، وإشهار ذلك على المنبر، ورد الفعل الذي وقع فيه لما كان تقدم منه بيان حكم الولاء، فقصد بهذا المبالغة في البيان والتأكيد للمنع، وبالفسخ إذا وقع. وقد بسطنا الكلام على هذا في كتابنا المعلم (1). وأما تعلقهم بما تضمنه هذا البيع من التحجير فوجب أن يمنع، قياسا على من باع بشرط ألا يبيع ما اشتراه ولا يهبه، فإن الإنفصال عنه أن العتق معنى من معاني البر وله حرمة مؤكدة في الشرع، ولهذا خص بخلاف ما تقتضيه الأصول، ألا ترى أن من أعتق نصف عبد بينه وبين شريك له، فإنه يقوم عليه نصيب شريكه، ويخرج ملك شريكه من يده بغير اختياره، لأجل حرمة العتق. ولو باع نصيبه لم يلزم شريكه بيع نصيبه. فاقتضى ذلك اختصاص العتق بحكم ما لحرمته. وكذلك أختص ها هنا بجواز هذا البيع لحرمته أيضا. بخلاف من باع على ألا يبيع المشتري ولا يهب، فإن هذا الشرط لا حرمة له توجب إمضاء هذا العقد.

والجواب عن السؤال الثالث أن يقال: اختلف المذهب على قولين: هل يجبر المشتري لعبد بشرط أن يعتقه أن يعتقه أم لا؟ فمذهب ابن القاسم أنه لا يجبر. ومذهب أشهب أنه يجبر. وبه قال ابن كنانة في المدنية. واختلفت إشارات الأشياخ في موقع هذا الخلاف بعد اتفاقهم على حكم موقعين من مواقع هذا الاشتراط. فقالوا: إن المشترط عليه أن يعتق هذا العبد إن عقد الشراء على أنه بالخيار في إيقاعه، فإن هذا جائز، ولكن يجري مجرى بيع الخيار، في ضرب مدة تجوز أن تضرب في بيع الخيار في هذا العبد إلى غير ذلك من أحكام عقود الخيار. وإن كان القصد بهذا الاشتراط إيقاع الحرية بنفس الشراء، فإن ذلك جائز، والحرية لازمة بنفس الشراء، كما يلزم ذلك في شراء الأقارب الذين يعتقون، على ما سنذكره في موضعه في افتقار عتق الأقارب إلى حكم أم

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ٢٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ٢٠٨