تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والجواب عن السؤال الخامس أن يقال: إذا كان لرجل على رجل دنانير، وللآخر عليه مثلها في السكة والجودة والوزن، فإن المقاصة بينهما جائزة على الإطلاق، في المشهور من المذهب، من غير التفات إلى اختلاف أسباب الدين ولاختلاف (1) الآجال، لما قدمناه في القرضين من كون اتفاقهما في الجنسية والصفة توجب ألا يلتفت إلى الاختلاف في الآجال. فإن اتفقت، فإنه سئل عن ذلك فقال: هاه، إشارة إلى ترخيص في هذا مع تردد فيه.

وهذا الخلاف الذي ذكرناه عن ابن نافع وعن رواة أشهب أجراه بعض أشياخي في المقاصة بالقرضين إذا اتفقا. وأما إن كان العينان مختلفي الجنس كدنانير على رجل، وله على الآخر دراهم، فإن المقاصة لا تجوز إلا بشرط أن يحلا على حسب ما ذكره القاضي عبد الوهاب ها هنا فيما نقلناه عنه وبسطناه هذا البسط. وأشار من لقيته من الأشياخ وبعض من تقدمهم من أشياخهم على أن جميع ما قدمناه فيما منعناه من المقاصة في سائر هذه الأقسام، يتخرج جوازه على القول بأن ما في الذمم حكمه، كحكم المقاصة، حكم ما حل. لأن القصد على هذه الطريقة بالمقاصة المتاركة والمباراة من الطلب لا التعاوض من دين بدين حتى ينظر في ذلك إلى ما يحل ويحرم من الوجوه التي قدمناها. وإذا كان هذا هو القصد بالمقاصة وخرجت عن حكم المعاوضة على هذا المذهب، لم يمنع منها إلا ما يمنع من المقاصة بدينين حلا جميعا لوجه يقتضي المنع من ذلك مع حلول الدينين جميعا. وأنت ينبغي أن تجري ما قدمناه من التنبيه لك في المقاصة بالعروض من اعتبار الوقوع في ضع وتعجل، أو الزيادة في عدد

القرض في مسائل المقاصة بالذهبين المتساويين. لكن تعلم أن الذهب لا يدخله حط الضمان على زيادة, لأن من هو عليه له تعجيله. ويدخله ضع وتعجل، كما يدخله المنع من الزيادة في عدد القرض في القضاء، على حسب ما تقدم تفصيله، وذكر ما وقع فيه من الروايات وما قاله بعض أشياخي. وقد أشار بعض الأشياخ إلى أنه يجب جواز المقاصة بالعرضين إذا اختلف جنسهما واتفق أجلهما, ولكنه لم يحل أجل واحد منهما. كما منع المقاصة والمطارحة بذهب عن فضة إذا لم يحلا وإن اتفقت آجالهما.

وأشار إلى أنه قد يفرق بين السؤالين بأن الدين الواحد المؤجل يجوز أن يؤخذ عنه قبل أجله جنس آخر مخالف له، إذا كان الدين وما أخذ عنه من العروض التي يجوز قضاء بعضها عن بعض.

ويمنع في الدين الواحد، إذا كان دنانير أو دراهم، أن يأخذ أحد النوعين من هذين عوضا عن الآخر إذا لم يحل الأجل. وهذا لا يتضح إلا بأن يقال فيه:

إنا إذا أجزنا المقاصة بين العرضين المختلفين إذا اتفقت آجالهما ولم يحلا، فإنا إنما رخصنا في وجه واحد وهو بيع الدين بالدين. وإذا أجزنا ذلك بالمقاصة بدنانير عن دراهم قبل الأجل، انضاف إلى هذا الوجه الصرف المستأخر وهو نوع من أنواع الربا، فوجب المنع فيه لأجل أنه انفرد في التعليل بهذه العلة التي لا توجد في العروض. وأما إذا أجرينا على أسلوب الطريقة التي نبه عليها بعض الشيوخ، وفي تقدير المقاصة بدينين مؤجلين كالمقاصة بدينين حالين، فإن مقتضى هذا إجراء الجميع على حكم واحد. وعلى هذا يجري القول في المقاصة ما بين طعامين مختلفي الجنس لكون تعليل المنع يتصور فيها منه ما

يتصور في العروض.

والجواب عن السؤال السادس أن يقال: إذا تقرر ما يمنع من المقاصة لما صورنا فيها من العلل التي نبهناك على اعتبارها، فإن بعض الأشياخ نبه على تفقد طريقة أخرى، وهي اعتبار أهل المعاملة حتى يعلم منه ما يجوز أن يؤخذ عما تقرر في الذمة من الدين، وتعتبر فيه الشروط التي قدمنا لك في كتاب السلم.

وإذا أسلم رجل لرجل في عروض دنانير، وأسلم إليه الآخر في عروض مثلها

دراهم، فإن هذا تمنع فيه المقاصة، وإن كنا قدمنا إجازة المقاصة في العرضين المتماثلين، وذلك أنه ها هنا اختلف رأس المال، فكان رأس مال أحد العرضين دنانير، ورأس مال العرض الآخر دراهم، فإذا تقاصا، قدرت المقاصة مطرحة على حسب ما نبهنا عليه في أول هذا الكتاب. وإذا قدر ذلك في المقاصة، حصل منهما أن أحدهما دفع دنانير وأخذ عنها بعد مدة دراهم. وهذا صورة الصرف المستأخر وهو ممنوع. واستشهد من ذهب إلى هذا بما ذكرناه في كتاب السلم فيمن أسلم دنانير في عروض وأخذ رهنا بالسلم مما يضمن بالدراهم، فإنه اعتبرنا فيه هناك ما يجوز أن يؤخذ عن رأس المال أيضا. فهكذا يعتبر ها هنا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٧٨