تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهبة إذا بيعت، نفذ البيع فيها. وهذا الذي أشار إليه يجري على الاضطراب الذي في الهبة إذا بيعت على حسب ما ذكر في المدونة وغيرها مما سنبسط القول فيه، إن شاء الله تعالى.

هذا حكم الشرط في قسمين أحدهما اشتراطه مقارنا لعقد معاوضة.

والثاني اشتراطه بعد البيع من غير معاوضة.

لكن يتصور في هذا قسم آخر وهو مقارنة هذا الشرط لعقد معاوضة وقع أيضا على جهة المعروف. كالمشتري لسلعه استقاله بائعها، فامتنع أن يقيله إلا بشرط أنه إن باعها بعد رجوعها إليه بحكم الإقالة، فإنه أحق بها بالثمن الأول.

فإن هذا وقع في الرواية الإشارة إلى أن له نقض البيع إذا باعها من رجعت إليه لكون المشتري المقيل إنما قال (1) على جهة المعروف، فلم يمنع هذا لما لم يقصد به المخاطرة والمكايسة، ولم يسقط أيضا حقه في نقض هذه الإقالة إذا باعها المستقيل الذي رجعت إليه، فإن المقيل أحق بها بالثمن. فربما أشارت هاتان الروايتان إلى اختلاف في هذا الأصل، هل يكون للمقيل، بشرط أنه أحق بها، نقض هذا البيع أم لا؟ ويمكن أن يقال: إنه لما وقع الشرط بأنه أحق بها بما يبيعها به، أشعر ذلك بأن المراد كونه أحق بالثمن الذي سماه بخلاف قوله: إنه أحق بها بالثمن الذي وقعت عليه الإقالة.

هذا حكم البيع الواقع بعد حصول هذا الشرط، وقد وقع الشرط على جهة المعروف بعد انعقاد البيع أو مقارنا للإقالة التي قصد بها المعروف. وأما لو وقع البيع في العقد الذي قارنه الشرط وعقد على المكايسة كما وقع في المدونة، لنفذ البيع في المشهور من المذهب لأنه بيع صحيح عقد في سلعة بيعت بيعا فاسدا، وذلك مما يفيت البيع الفاسد. لكن على طريقة سحنون الذي يرى أن البيع الصحيح لا يفيت البيع الفاسد المجمع على فساده، ولا يقع الفوت بهذا البيع ها هنا إذا كان مجمعا عليه عند من يرى خلافه (2).

والجواب عن السؤال الرابع أن يقال: ذكر في المدونة فيمن باع سلعة على أنه إن لم يأت بالثمن إلى ثلاثة فلا بيع بينهما، أن البيع ماض والشرط باطل.

فيقال له: فرق بين حكم هذا السؤال وسؤال من باع على أنه متى أعاد الثمن ارتجع المبيع، مع كونهما يجتمعان في أنهما بيعان عقدا إلى غاية ينحل البيع عندها بأن يعيد هذا الثمن أو يتأخر هذا عن دفع هذا الثمن. فيقال: أما بعض أشياخي، فيشير إلى أن لا فرق بينهما. ويجري الاختلاف فيهما (من بعضهما بعضا) (1). ويرى أن الشروط الفاسدة إذا قارنت البيع يختلف فيها، هل يمضي البيع ويسقط الشرط، أو يفسخ البيع وشرطه، أو يخير من له الشرط في إسقاط شرطه، فيمضي البيع، أو يتمسك به، فيرد البيع.

وقد اختلف في هذه المسئلة أيضا، فقيل: البيع فاسد. وقيل: هو كبيع الخيار يعتبر فيه الأمد، إلى غير ذلك مما سنبسطه إذا أفردنا هذه المسئلة بالكلام عليها في كتاب البيوع الفاسدة، إن شاء الله تعالى.

وقال قوم من الأشياخ: بينهما فرقان، وذلك أن من باع على أنه متى أعاد الثمن ارتجع المبيع، الملك ثابت له قبل البيع ثبوتا مستقرا لا شك فيه. وهذا البيع الذي عقد لم يخرج الملك من يده خروجا محققا لما صرف حله إلى مشيئته، فمتى شاء حل هذا البيع، بأن يرد الثمن، فصح أن يتسلط الفسخ على هذا الملك الذي انتقل على هذه الصفة. والذي باع بشرط إن لم يأت المشتري بالثمن انحل البيع، قد خرج من يده ملكه خروجا لا قدرة له على استرجاعه، وإنما جعل حل عقده ورد المبيع إلى ملك بائعه إذا شاء أن يتأخر بالثمن.

فكأنه كبيع خيار العقد في أحد الجهتين، فبقي محلولا في الجهة الأخرى.

ولهذا قال بعض أصحاب مالك، رضي الله عنه إن هذا يجري مجرى بيع الخيار، ويعتبر في فساده وصحته مقدار الأجل المضروب فيه. ويؤكد هذا الفرق عند هؤلاء ما فرق به مالك بين من جعل أمر زوجته بيدها إن تزوج عليها، أو فعل فعلا إيقاعه أو تركه بيده، فإن ذلك لا يفسد النكاح ولا يؤثر ضعفا في ملكه للفرج حتى يمنعه الوطء، بخلاف أن يجعل

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٦٩