ولكن عندي أن هذا، وإن لم يتصور فيه هذا المعنى، فإنه يتصور فيه بيع دين بدين، وقد ورد الحديث بالنهي عنه. لكن قد يعرض في فسخ دين في دين ما يشكل من ناحية كونه كالدين أو كالمنقود، مثل أن يحل له دين فيأخذ عنه سكنى دار معينة إلى أجل معلوم أو ركوب دابة معينة، فإن هذا يصح أنه إذا أخذ فيه سكنى أو ركوبا مضمونا في الذمة، أن ذلك لا يجوز لكون المضمون من سكنى أو ركوب لا شك في تسميته دينا.
وإن أخذ فيه سكنى دار معينة أو ركوب دابة معينة, فها هنا عرض الإشكال: هل ذلك كالدين لما كان ضمان هذه المنافع من صاحب الدار والدابة وهي لم تقبض منه جملة واحدة فتلحق بأحكام الديون التي لا يجوز فسخ دين فيها كما قاله ابن القاسم؟ أو تلحق بالمعينات المقبوضة لما أسندت هذه المنافع إلى دار معينة ودابة معينة؟ وقد علم أنه لو أخذ الدار أو الدابة عن دينه
الذي حل وقبضها على أن ذلك جائز. فكذلك المنافع المسندة إليها والمأخوذة منها يقدر أن قبض أولها كالقبض لآخرها, لما كان لا يتصور القبض في هذه المعاني ولا يقدر عليه إلا على هذه الصورة.
وقد وقع في الموازية فيمن استعمل غريمه عملا قبل حلول أجل دينه بالدين الذي له عليه، أنه لا خير في ذلك, لأنه قد يمرض الأجير فيتأخر العمل إلى ما بعد حلول الأجل. وحمل بعض أشياخي على المذهب أن هذا قول ثالث ليس بالإجازة على الإطلاق، كما ينسب لأشهب، ولا بالمنع مطلقا كما ينسب لابن القاسم لأنه إنما علل بجواز المرض المقتضي أخذ المنافع بعد حلول الأجل، فدل ذلك على أنه إنما يمنع ذلك إذا وقع فسخ الدين في هذه المنافع عن دين قد حل، لكون ما عرض من الإشك الذي كون هذه المنافع كالدين أو لا، كما بيناه، فيتصور فيها معنى ربا الجاهلية: تقضي أو تربي. فإذا كان ذلك قبل الأجل، فلا يتصور فيه معنى ربا الجاهلية كما قدمناه عن بعض أشياخنا أنه يرى فسخ دين في دين قبل حلول الأجل شرعا غير معلل. وقد نص (1) بعض المتأخرين طريقة أشهب في الجواز بأن قال: اتفق على جواز اكتراء هذه المنافع بدين في ذمة المكتري ولم يقدر ذلك دينا بدين فيمنع. فهذا يقتضي صحة ما ذهب إليه أشهب من كون هذه المنافع لا تعد دينا. وأشار بعضهم إلى التفرقة بين هذين, لأن عقد دينين في ذمتين كانتا خاليتين من الدين أخف من فسخ دين عمرت الذمة به في دين آخر. ألا ترى أنا لا نسامح بتأخير عوض أخذ عن دين في الذمة يوما واحدا، ويسامح في جواز اشتراط تأخير رأس المال في السلم اليوم واليومين, لأن ما على المسلم والمسلم إليه وقع العقد عليه، والذمتان خاليتان منه. وقد أشار الشيخ أبو إسحاق. إلى أن في كتاب ابن المواز ما قد يتناول منه منع شراء هذه المنافع بدين يكون لمشتريها على رجل آخر، فاختلف فيه أيضأهل يجوز أو يمنع؟ ووقع في كتاب الخيار من المدونة جواز اشتراط
ذلك بشرط أن يشرع في السكنى. ولعلنا أن نبسط هذا في موضعه إن شاء الله تعالى. وأما أخذ سلعة غائبة أو أمة بتواضع أو سلعة على خيار قابضها، فإن هذا على القولين المذكورين يمنعه ابن القاسم، ويرى دخول التأخير في هذا يلحقه بأحكام الديون.
وأما ما ذكره من منع ضع وتعجل، فإنا قد ذكرناه في مسائل كثيرة تقدمت في كتاب السلم وغيره. وقد ذكر عن عمر وعبد الله ابنه، رضي الله عنهما، أنهما يمنعان من ضع وتعجل. وقد صور في المنع أن الذي عجل الدين قد اشتراه بما عجله ليأخذ ذلك من نفسه إذا حل الأجل قضاء عما أسلفه مما عجل، فيكون كسلف بزيادة. وقد قررنا قولها بمنع الذرائع وصورنا هذا المعنى في مسائل تقدمت.