ويستدلون أيضا بقوله تعالى: ﴿ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن﴾ (5) ومعنى ذلك أن هذا الضرب، وإن كان في نفسه جائزا، فإنه نهي
عنه لئلا يكون سببا في تشوف الرجال إلى امرأة أجنبية وتلفتهم إليها.
ويستدلون أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تصف المرأة المرأة لزوجها ... " (1) الحديث المخرج في الصحيح. والعلة فيه أن الوصف لمحاسن امرأة أجنبية يتخوف على من سمعه من الرجال التشوف إليها، وتستنزله الشهوة إليها، فيوقعه ذلك فيما لا يحل.
ويستدلون أيضا بأن مجرد البيع إذا وقع على شروطه الشرعية جائز بالإجماع. والسلف إذا انفرد أيضا ولم يقصد المسلف منفعة نفسه، بل الرفق بالمسلف والإحسان إليه، جائز بالإجماع. وإذا اجتمعا ووقعا في بيع بشرط سلف فإن الشرع ورد بمنع ذلك. وما ذلك إلا لكون السلف إذا قارن البيع تخوف منه أن يكون سلفا بزيادة، فقد يزيد في قيمة السلعة والمراد في الباطن أن تكون تلك الزيادة على القيمة عوض السلف، والسلف بزيادة محرم باتفاق.
فهذا مفردان يجوزان، وهو البيع أو السلف، فإذا اقترنا منعا حماية للذريعة كما بيناه.
وقد اضطرب المذهب في تعليل المنع فأشار أبو الفرج إلى أن علة المنع اعتياد كثير من الناس التحيل بهذه البياعات الجائز ظاهرها على العقد على ما لا يحل مما يمنعان منه لو أظهراه، ويفسخ عليهما. ومقتضى هذا التعليل أن المعتادين لفعل الحلال ومن هو من أهل الدين والعدالة بحيث لا يتهم على التحيل على الحرام لا يمنعون من هذه البياعات.
وأشار ابن مسلمة إلى أن العلة في ذلك حماية الذريعة، على ما قدمناه، وإذا كانت العلة هذه وجب، على هذه الطريقة، أن يمنع من هذه البياعات من يتهم ومن لا يتهم.
ومما يقوي هذه الطريقة، التي هي التعليل بحماية الذريعة، ويكون استدلالا أيضا في أصل المسألة، حديث عائشة لما قالت لها أم محبة، وهي أم
ولد لزيد بن أرقم: أتعرفين، يا أم المؤمنين، زيد بن أرقم؟ قالت أم محبة: إني بعت منه عبدا إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم اشتريته منه بستمائة درهم. فقالت لها عائشة رضي الله عنها: بئس ما شريت وبئس ما اشتريت، أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن لم يتب. فقالت لها أم محبة: أرأيت إن تركت له مائتي درهم وأخذت منه ستمائة؟ فقالت عائشة رضي الله عنها: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾ (1) " (2). وهذا كالنص منها، رضي الله عنها، على منع هذه المسألة وما في معناها مما أجازه الشافعي. وقد استدل أصحابنا عليه بهذا الحديث، وذكروا أن إبطال الجهاد مع عظم شأنه في الشرع وإحباط الأعمال لا يؤخذ قياسا ولا يؤخذ إلا توقيفا من صاحب الشرع، فلولا أن عائشة، رضي الله عنها، سمعت هذا من النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أوردته، إذ لا يمكن هذا بالقياس، ولا يليق بها، رضي الله عنها، أن تقطع في الشرع بأمر مغيب من غير وحي. فإن قالوا: ذكر في هذا الخبر أن البيع وقع إلى العطاء، والعطاء أجل مجهول، والبيع إلى أجل مجهول لا يجوز. قيل: بل هو في حكم المعلوم، على أحد القولين، وما كان في حكم المعلوم من الآجال جاز أن يكون ميقاتا لدفع الثمن. مع أنها قالت: بئس ما شريت. وظاهر هذا أنها ذمت بيعها الأول إلى العطاء وشراءها بعد ذلك بثمن هو أقل مما باعت، ولا جهالة في الثمن الثاني فيمنع منه، وإنما يمنع على طريقتنا وهي حماية الذريعة لئلا يتطرق بالحلال إلى الحرام. ومعلوم أن زيد بن أرقم لا يليق به التعمد إلى التحايل على الحرام، ولا يظن به ذلك، لفضله وجلالة قدره في الصحابة، رضي الله عنهم.
ولكن إذا كان علة المنع حماية الذريعة وجب أن يمنع من لا يتهم لئلا يكون ترك منعه داعية إلى أن يقع فيها من يتهم. وهذا أيضا يمنع ما قدمناه في الاحتجاج لمذهب الشافعي من كون الشرع ورد بأن بعض الظن إثم؛ لأن هذا ليس من جهة تلك الظنون المنهي عنها، وإنما هو احتياط في الدين، وتحفظ على المسلمين