عندي أنه إنما أشار بوقف هذا الحديث على فضالة بن عبيد بما خرجه مسلم عن عمر (2) أنه قال: كنا مع فضالة بن عبيد فقال: انزع ذهبها فاجعله في كفة، واجعل ذهبك في كفة، ثم لا تأخذن إلا مثلا بمثل، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل" (3).
ويجيب أصحاب أبي حنيفة عما ذكرناه من طرق الاعتبار، بأن ها هنا العقد لا بد من اعتبار أنواع الاقتسام فيه، فاعتبرتم أنتم الاقتسام من ناحية التوزيع والفصل، ليحصل لكم التفاضل من ناحية التقويم بين الذهبين أو الطعامين. واعتبرنا نحن التقسيم من جهة أخرى، وهو أن العقد إن قصد فيه إلى مقابلة الفرد بالفرد، بأن يجعل صاع التمر قبالة أحد الصاعين، والدينار الذي مع
صاع التمر قبالة الدينار، صح التعاوض على هذه الصفة، والجمع إذا قوبل بالجمع قوبل الفرد بالفرد، كما يقال: ركب القوم دوابهم، ولبسوا ثيابهم.
فالمراد مقابلة الفرد بالفرد، وهو أن كل رجل ركب دابته ولبس ثوبه، وإن صرفنا هذا الانقسام إلى مقابلة الجمع بالجمع على التوزيع والشياع، اقتضى ذلك فساد العقد، كما قلتم، وإذا احتمل العقد وجهين جهة صحة وفساد، صرفت عقود المسلمين إلى الوجه الصحيح الذي يتدينون به. ألا ترى أن من باع سلعة بدنانير ولم بسم سكتها، وفي ذلك العقد سكك مختلفة، لكن العرف تبايعهم بسكة معينة، وبكون البلد لا سكة فيه سوى سكة واحدة، فإن لفظ الدنانير يحمل عليها، وما ذلك إلا لأجل وجوب حمل عقود المسلمين على الوجه الجائز.
وأما وجوب التوزيع والفصل فيمن باع شقصا وسبعا بدابة وثوب، فإنما ذلك لأنه ليس له وجها صحة وفساد يجب حمله على أحد الوجهين، وهو وجه الصحة. فلا مرجح يقع بين احتمال واحتم الذي نفس أحد العوضين للشقص. (ولو فرضنا فيه مقابلة الفرد بالفرد لم يجز فرقا بين حملنا كون الشقص في مقابلة الثوب حملنا له على أن يكون في مقابلة الدابة لا صحة وفساد ها هنا يتقابلان يقع الترجيح بينهما ولهذا استغنى إلى موافقتهم ها هنا على وجوب التوزيع والقصر) (1).
ولا ينقض هذا علينا بأنا نمنع من بيع دينار بدينارين مع احتمال أن يكون أحد الدينارين مقابل الدينار الفرد، والدينار الثاني هبة، لأن هذا خلاف نص اللفظ لأنهما جعلا الدينارين جميعا بيعا وعوضا، فصرف أحدهما إلى كونه هبة إبطال عقد المتعاقدين. وإذا باع دينارا وصاعا من تمر بصاعين من تمر، هما جنس التمر، لما صاف (2) إلى الدينار، فإن مقابلة الفرد ها هنا وصرف المعاوضة إلى مقابلة الصالح بالصاع ومقابلة الصالح الآخر بالدينار وليس فيه
إبطال النص الذي تعاقدا عليه. وكذلك أيضا إذا نوقض مخالف أبي حنيفة بإيجازهم (1) بيع درهمين جيدين بدرهمين رديئين، مع إمكان العض (2) ها هنا أجابوا عن هذا بأن هذا لا يتصور فيه الفضل من جهة التقويم والعض (2) ولأنه معلوم أن الدرهمين الرديئين دون الدرهمين الجيدين في القيمة، ولكن كل درهم من الجيدين أو الرديئين مثل صاحبة فلا يقع اختلاف ها هنا من جهة التقويم والعصر (2) لتساوي الدرهمين في كل واحد من الجانبين وإنما يقع الاختلاف والتفاضل من ناحية التقويم وإذا (3) اختلف العوضان المقومان، وكانا في حكم الجنسين، ألا ترى أن من باع قمحا بمثله فاستحق بعضه فإنه يرجع فيما باع فصعد أن (4) المستحق بنسبة التجزئة لا بنسبة التقويم. وكذلك أيضا يجاب أصحاب أبي حنيفة عن استشهادهم في وجوب حمل العقد على الصحة إذا تقابلت الاحتمالات في العقد، بإن كل سكة يجوز العقد بها، فما تردد هذا العقد إلا من وجوه كلها صحيحة ولكن إنما يحمل العقد على نقد البلد لأجل العرف والعادة التي تقوم مقام النطق والاشتراط. ولعلنا أن نعيد الكلام على هذه المسألة في كتاب الصرف ونصف به ما تعلق به منه.