تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك بيع اللحم الطبري بالطري إذا بعد العهد بذبح أحدهما أو قرب عهد الذبح باللحم الآخر، لأن اللحم الأقدم ذبحا أكثر جفافا. وكذلك رأى ابن حبيب في القديد بالقديد والمشوي بالمشوي أنه لا يجوز فيه المبايعة لاختلاف تجفيف الشمس في القديد وتجفيف النار في الشواء، وإن كان المشهور من المذهب جواز بيع القديد بالقديد بناء على أن ذلك يكاد لا يختلف غالبا اختلافا محسوسا واختلافا مقصودا. وبيع الطبري بالقديد ممنوع كما يمنع الرطب بالتمر وهو من المزابنة.

وأما إن صنع القديد بأبزار عظمت فيه النفقة فإنه ينتقل حكمه عن حكم

اللحم الطبري، وعن حكم القديد الذي لا أبزار فيه، ويصير كجنس آخر من اللحمان يحل التفاضل بينه وبين ما ليس من جنسه.

وأما إن طبخ بالماء صرفا وبالملح، فإن هذا الطبخ لا ينقله عن حكم أصله فلا يجوز بيع اللحم المصلوق باللحم الذي تمسه النار ولا الشمس متفاضلا، ولا يجوز متماثلا بالوزن لكونه بيع الرطب باليابس. وأما ما ثبت فيه المساواة بالتحري فعلى القولين اللذين قدمناهما. وأما ما طبخ بشيء من المياه المعتصرة كالخل، وماء الحصرم، وماء الليمون، فإنه ينتقل عن حكم اللحم الطبري الذي لم تمسه النار فيصير كجنس آخر يحل فيه التفاضل، فيجوز بيع السكباج والحصرمية والليمونية والسماقية والإجاصية بلحم لم تمسه النار ومتفاضلا. وكذلك غير هذا من الأنواع التي يكثر تعدادها. لكن هذه الألوان التي ذكرنا بعضها كلها صنف واحد، وإن اختلفت المياه التي طبخت بها، فلا يجوز التفاضل بين حصرمية وليمونية وسماقية إلى غير ذلك من ضروب الألوان التي في هذا المعنى، لأن المطبوخات في هذه الأصناف تتقارب الأغراض فيها، وكأن المراد منها الائتدام، وهي من ناحية كونها إداما متقاربة في الأغراض والمقصود. ومال بعض أشياخي إلى أن اختلاف هذه الألوان يصيرها أجناسا إذا تفاوت الغرض فيها، فليس الغرض في الإسفندباج كالغرض في السماقية والحصرمية. وقد ذكر في الموازية أنه لا يحل التفاضل بين الأرز المطبوخ والهريسة. فإن كان مراده الهريسة المصنوعة من الأرز ولكن خالطها اللحم وضرب معها الأرز، فإن هذا مبني على أن مخالطة اللحم الأرز، هذا النحو من المخالطة لا ينقله عن حكم الأرز المطبوخ بغير لحم. فقدر أنهما جميعا أرز ولحم مطبوخان، فلا يحل التفاضل بينهما. وإن أراد بالفريسة ها هنا ما صنع من القمح واللحم، فكأنه رأى أن الطبخ للأرز والقمح ينقل كل واحد منهما عن أصله، فيجوز التفاضل بينه وبين أصله؛ ولكن لا يجوز التفاضل بين هذين المطبوخين من هذين الأصلين المختلفين، كما ذهب إليه أشهب في أن خبز الأرز وخبز القمح صنف واحد لا يحل التفاضل بين هذين الخبزين، وإن

كان أصلهما مختلفا يحل التفاضل فيه. وحكي هذا عن ابن القاسم، لكن مقتضى أصل ابن القاسم أن يكون أخبازهما صنفين، كما كانت أصولهما؛ كما وقفنا لك في أخباز القطنية أنها مختلفة لأجل اختلاف أصولها. وأما بيع الخبز بالهريسة، فبعض أشياخنا يراه جائزا متفاضلا، وهما صنفان لاختلاف الغرض فيهما، وبعض الأشياخ يتردد في هذا إذا بني على الرواية التي ذكرنا عن الموازية في بيع الأرز المطبوخ بالهريسة وقدر بأن اللحم لم ينقل الأرز أو اللحم عن أصلهما مطبوخين والهريسة كذلك.

وإذا وضح أن المذهب إجراء المطبوخات مجرى واحدا، لتقارب الأغراض فيها على حسب ما قدمناه، فإن التفاضل لا يحل فيها، والمساواة بالوزن، يصير موجب الرجوع إلى طلب المساواة بالتحري. وتنازع المتأخرون في صفة هذا التحري، فقال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد: تجري المساواة في اللحوم وامراقها، لأن حكم مرقها كحكم لحمها، وكذلك يكون التحري في الهريسة إذا بيعت بالهريسة. ورأى غيره من الأشياخ أن التحري إنما يكون في اللحم خاصة، دون الأمراق. فكيف جرت الحال على هذا الاختلاف فإن المسألة تتعلق بمسألة أخرى نذكرها بعد هذا إن شاء الله تعالى، وهي بيع صاع قمح وصاع دقيق بصاع قمح وصاع دقيق، فإن المرق وإن عد حكمه كحكم أن الدقيق ليس هو صورة القمح وإن كان هو أجزاء القمح، كما قدمناه قبل هذا.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٢٨