تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تعاوضا بجنسين عن جنس قبلها، لكون هذه الأجزاء التي انضافت إلى الأجزاء التمرية لما كانت هي المرادة والمقصودة في حال رطوبة هذه التمرة، وجب أن يكون للرطب حكم الجنس.

وكذلك يمنع عندنا بيع قصب السكر بعسله أو بربه الذي لم يدخله ابزار.

ويمنع من بيع عسله بربه لأجل المزابنة التي قدرناها في بيع الرطب باليابس.

والجواب عن السؤال السابع أن يقال:

اللحم فيه الربا، لأنه مما يقتات ويحفظ الحياة ويؤتدم به، ومما يمكن ادخاره بالتجفيف. لكن المقصود في عادة الاستعمال أكله طريا، اقتياتا وائتداما، إيثارا لما هو أشهى وأعذب في الطباع، مع كونه في نفسه صالحا للإدخار. وما تساوى جنسه حرم فيه التفاضل. فاللحوم عندنا ثلاثة أصناف، فتعلق به (1) الربا. وقد قدمنا أن ما اختلفت أجناسه من الربويات حل فيه التفاضل.

فذوات الأربع صنف واحد، وحشيها وإنسيها، صغيرها وكبيرها، لا يجوز فيها التفاضل، فيمنع بيع شيء من لحمها بلحم الإبل أو الغنم أو الظباء أو الأرانب، متفاضلا، ولا يجوز إلا مثلا بمثل.

والصنف الثاني: ذوات الريش، وهي صنف واحد، داجنها وشاردها، صغيرها وكبيرها. فيمنع من بيع شيء من لحم الدجاج بأكثر منه من لحم الحمام أو العصافير أو الإوز أو غير ذلك من سائر أنواع الطير.

والصنف الثالث: داوب الماء فيمنع بيع شيء من أصناف الحوت بأكثر منه من صنف آخر، تساويا في الجرم أو الطعم، أو اختلفا، فيمنع بيع المتن أو القلقط، بالصند أو اللجمي (2)، متفاضلا.

وأما الجراد فإنه صنف رابع والمعروف من المذهب أن بيع بعضه ببعض متفاضلا جائز، وهكذا ذكر ابن المواز عن أشهب، وذكر ابن حارث عن سحنون أنه يمنع بيع بعضه ببعض متفاضلا، وإلى هذا مال بعض أشياخي، ورأى أنه مما يدخر.

واختلف قول الشافعي فذهب إلى أن جميع اللحوم على اختلاف أنواعها صنف واحد، وذهب أيضا إلى أنها أصناف شتى، فلحم الإبل صنف، ولحم البقر صنف، ولحم الضأن صنف، يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، ومنع ابن حنبل من بيع اللحم الطبري بمثله، واشترط في جواز البيع أن يكونا جميعا جافين، فيجوز البيع حينئذ، مثلا بمثل لا تفاضل بينهما.

وكأنه رأى اللحم إن كان طريا كالرطب. وقد نبهنا نحن فيما مضى على أن المقصود في اللحم طراءته، والمقصود منه (إذا بيع التمر أو بيع بمثله على القول بالمنع من بيع رطب برطب بمثله) (1).

واعلم أنا قدمنا أن المعتبر في الجنسية تقارب المنفعة والأغراض. ومن اعتقد خلاف ذلك في لحم البقر مع لحم الضأن أو البقر (2) عدهما جنسا، كأحد قولي الشافعي، ومن رأى تقاربهما في المنفعة والغرض عدهما جنسا واحدا، كما ذهب إليه مالك.

وأما أحد قولي الشافعي فإن اللحوم كلها صنف واحد (3) في الاختلاف، فإنه اعتبر اشتراكها في تسمية لحم اسم خاص بجميعها يتناول جميع أنواعهما.

بخلاف تسمية أجزاء الثمر ثمرا لأن لكل ثمر اسما يخصها كعنب وتسعين ورمان وتفاح، وليس لكل نوع من اللحمان اسم يخصه، وإنما يميز بإضافته هذه التسمية إلى تسمية أخرى، فيقال: لحم بقر أو لحم إبل.

وأما الجراد فإن فيه اختلافا في الموازية أن التفاضل في بيع بعضه ببعض

جائز. ومنع سحنون بيع بعضه ببعض متفاضلا، ورآه مما يدخر، فيكون على هذه الطريقة لاحقا باللحمان، ولكنه صنف رابع. فأحطت (1) علما بهذه الأجناس، فبيع لحم بلحم مما يعد من جنسه متفاضلا لا يجوز كلحم بقر بلحم الضأن أو لحم إبل بلحم بقر أو لحم حيوان من ذوات الأربع الوحشي بلحم إنسي، وعلى هذا الأسلوب يجري في بقية الأجناس والله المستعان لا رب سواه ولا خير إلا منه.

والجواب عن السؤال الثامن أن يقال:

إن اللحم إذا شوي أو قدد من غير أبزار خالطته فإنه لا ينتقل عن حكم اللحم الطبري، ولا يجوز فيه التفاضل. وأما التماثل في بيع الطبري بالقديد فيعسر الوقوف على حقيقته وزنا. وهل يجوز الاقتصار في التماثل على تحري المساواة؟ هذا مما اختلف فيه المذهب، وهو اختلاف في صفة، فمن منع المبايعة على المساواة تحريا رأى أن التحري لا يوثق به، وقد يغلط المتحري تارة، ويصيب أخرى، وقد قدمنا أن الشك في التفاضل في الربويات كاليقين به في المنع. ومن أجاز ها هنا الاقتصار على التحري، وقدره بما يبعد الغلط فيه غالبا إذا كان من يتحرى عارفا بالمقدار في هذا صحيح الحدس والتخمين فيها.

شرح التلقين · الجزء ٢ · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح التلقينج ٢ · ص ١٢٧