فيجعل (1) هذا الفعل المباح علما على خطاب المأموم بالتأمين إلا أن يعضد بأن يقال: لم يصر أحد إلى الإباحة فانتفت لعدم قائل بها. وبطل قول من قال بالكراهة. فلم يبق إلا قول من قال بالندب، فيستقل حينئذ الاستدلال بالحديث.
والجواب عن السؤال الثالث: أن يقال: أن يقال اختلف الناس في التأمين هل يخفى أو يجهر؟ فذهب أبو حنيفة إلى إخفائه وذهب الشافعي إلى الإجهار به. ومذهبنا أن المأموم يخفيه. وأما الإمام فإن قلنا بتأمينه فإنه يخفيه. واختار بعض أشياخي أن يجهر به ليتقدى به. وأشار بعض المتأخرين من أصحابنا إلى تخييره بين الجهر والإخفاء. فحجة من أظهره قوله: إذا أمن الإمام فأمنوا (2).
فلو لم يكن مسموعا لم يقل إذا أن الإمام فأمنوا. وقد ذكر أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كانوا يؤمنون حتى يسمع لتأمينهم رجة (3). واعتمد من أخفى التأمين على أن قوله إذا قال ولا الضالين فقدلوا آمين يقتضي إخفاء التأمين. لأنه لو كان يجهر به لم يحتج علما عليه. ولا يمكن من قال بالتأمين أن يتأول هذا الحديث إلا على هذا على حسب ما قلناه. وتنازعت الطائفتان أيضا جهة المعنى فقال من أثبت الجهر ينبغي أن يكون تابعا لقراءة أم القرآن فإذا جهر بها جهر به، كما جرى الأمر في السورة التابعة لأم القرآن. وقال من أمر بالإخفاء. قال الله تعالى: ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية﴾ (4). وقال: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ (5).
والخائف لا يتكلم إلا همسا. ولهذا جرى الأمر في مخاطب ملوك الزمن أنه يخفض صوته إشعارا لهم بالهيبة والخوف. وقد قال تعالى: ﴿ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض﴾ (6). وقال في زكرياء: {إذ نادى ربه نداء