19 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَقِيقَةِ الْجِزْيَةِ , هَلْ هِيَ عُقُوبَةٌ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ , أَمْ أَنَّهَا عِوَضٌ عَنْ مُعَوَّضٍ , أَمْ أَنَّهَا صِلَةٌ مَالِيَّةٌ وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ ؟ فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عُقُوبَةً عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ , وَلِهَذَا لَا تُقْبَلُ مِنْ الذِّمِّيِّ إذَا بَعَثَ بِهَا مَعَ شَخْصٍ آخَرَ , بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا بِنَفْسِهِ , فَيُعْطِي قَائِمًا وَالْقَابِضُ مِنْهُ قَاعِدٌ . وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : ﴿ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : ﴿ عَنْ يَدٍ ﴾ - يَدْفَعُهَا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُسْتَنِيبٍ فِيهَا أَحَدًا . فَلَا بُدَّ مِنْ أَدَاءِ الْجِزْيَةِ وَهُوَ بِحَالَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ عُقُوبَةً لَهُ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ . وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْجَزَاءِ , وَهُوَ إمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الثَّوَابِ بِسَبَبِ الطَّاعَةِ , وَإِمَّا أَنْ يُطْلَقَ عَلَى الْعُقُوبَةِ بِسَبَبِ الْمَعْصِيَةِ . وَلَا شَكَّ فِي انْتِفَاءِ الْأَوَّلِ , لِأَنَّ الْكُفْرَ مَعْصِيَةٌ وَشَرٌّ , وَلَيْسَ طَاعَةً فَيَتَعَيَّنُ الثَّانِي لِلْجَزَاءِ : وَهُوَ الْعُقُوبَةُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَاسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهَا عُقُوبَةٌ بِأَنَّهَا وَجَبَتْ بِسَبَبِ الْكُفْرِ وَهُوَ جِنَايَةٌ , فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُسَبِّبُهَا عُقُوبَةً , وَلِذَلِكَ وَجَبَتْ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ وَهُمْ الْبَالِغُونَ الْعُقَلَاءُ الْمُقَاتِلُونَ . وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ ابْتِدَاءً هُوَ الْقَتْلُ عُقُوبَةً
الخلاصة في أحكام أهل الذمة · الصفحة ٣٣٨
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
الخلاصة في أحكام أهل الذمةص ٣٣٨
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي