28.51-55
قوله: ﴿ ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون ﴾ أي: ينالهم في القرآن خبر الأمم الماضية كيف عذبوا لعلهم يتذكرون: أي لكي يخافوا فيؤمنوا بما في القرآن ويقال ولقد وصلنا لهم القول أي وصلنا لهم الكتب بعضها ببعض يعني: بعثنا بعضها على إثر بعض، ويقال: ولقد وصلنا أي أوصلنا لهم القول يعني: أنزلنا لهم القرآن آية بعد آية أنه هداية لعلهم يتذكرون يعني: لكي يتعظوا ثم وصف مؤمني أهل الكتاب فقال: ﴿ الذين ءاتينهم الكتب من قبله ﴾ يعني: من قبل القرآن ﴿ هم به يؤمنون ﴾ يعني: مؤمني أهل الكتاب وهم أربعون رجلا من أهل الإنجيل كانوا مسلمين قبل أن يبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - اثنان وثلاثون من أهل أرض الحبشة قدموا مع جعفر الطيار وثمانية من أهل الشام ويقال إنهم ثمانية عشر رجلا: ﴿ وإذا يتلى عليهم ﴾ يعني: القرآن ﴿ قالوا ءامنا به ﴾ أي صدقنا ﴿ إنه الحق من ربنا ﴾ يعني: القرآن وذلك أنهم عرفوا بما ذكر في كتبهم من نعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وصفته وكتابه فقالوا ﴿ إنا كنا من قبله مسلمين ﴾ يعني: من قبل هذا القرآن ومن قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - كنا مخلصين ﴿ أولئك يؤتون أجرهم مرتين ﴾ يعني: يعطون ثوابهم ضعفين مرة بكتابهم ومرة بإيمانهم بالقرآن وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - ﴿ بما صبروا ﴾ يعني: بصبرهم على ما أوتوا ويقال: بما صبروا أي بصبرهم على دينهم الأول وبما صبروا على أذى المشركين فصدقوا وثبتوا على إيمانهم حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه: ما رأينا أحدا أجهل منكم تركتم دينكم وأخذتم دينه فقالوا ما لنا لا نؤمن بالله فذلك قوله عز وجل: ﴿ ويدرءون بالحسنة السيئة ﴾ أي: يدفعون قول المشركين بالمعروف ويقال: يدفعون الشرك بالإيمان ويقال: يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح ويقال يدفعون ما تقدم لهم من السيآت بما يعملون من الحسنات ﴿ ومما رزقنهم ينفقون ﴾ يعني: يتصدقون قوله عز وجل: ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴾ يعني: إذا سمعوا الشتم والأذى والكلام القبيح لم يردوا عليهم ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه يعني إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم ﴿ وقالوا لنا أعملنا ﴾ يعني: ديننا ﴿ ولكم أعملكم ﴾ يعني: دينكم ﴿ سلم عليكم ﴾ يعني: وردوا معروفا عليهم ليس هذا تسليم التحية وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة أي بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة وهذا إن يؤمر المسلمون بالقتال ويقال السلام عليكم يعني: أكرمكم الله تعالى بالإسلام ﴿ لا نبتغى الجهلين ﴾ أي: لا نطلب دين الخاسرين ولا نصحبهم ويقال: هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد الله بن سلام وروى أسباط عن السدي
" قال لما أسلم عبد الله بن سلام رضي الله عنه فقال يا رسول الله ابعث إلى قومي فاسألهم عني فبعث إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فستر بينهم وبينه سترا، وقال: أخبروني عن عبد الله بن سلام كيف هو فيكم قالوا ذاك سيدنا وأعلمنا قال أرأيتم إن آمن بي وصدقني أتؤمنون بي وتصدقوني قالوا هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك قال أرأيتم إن فعل قالوا لا يفعل قال أرأيتم إن فعل قالوا إنه لا يفعل ولو فعل إذا نفعل فقال عليه السلام: أخرج يا عبد الله فخرج فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فوقعوا فيه وشتموه وقالوا ما فينا أحد أقل علما ولا أجهل منك قال ألم تثنوا عليه آنفا "
قالوا: إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم فجعلوا يشتمونه وهو يقول (سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) فقال ابن يا مني وكان من رؤساء بني إسرائيل: أشهد أن عبد الله بن سلام صادق فابسط يدك يا محمد فبسط يده فبايع ابن يامني مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزل ﴿ الذين ءاتينهم الكتب من قبله ﴾ إلى قوله ﴿ ومما رزقنهم ينفقون ﴾ وإلى قوله لا نبتغي الجاهلين.