16.63-67
ثم قال: ﴿ تالله ﴾ يقول: والله ﴿ لقد أرسلنآ ﴾ أي: بعثنا ﴿ إلى أمم من قبلك ﴾ أي: بعثنا إلى أمم من قبلك الرسل كما أرسلناك إلى قومك ﴿ فزين لهم الشيطان أعمالهم ﴾ أي: ضلالهم حتى أطاعوا الشيطان وكذبوا الرسل ﴿ فهو وليهم اليوم ﴾ أي: قرينهم في النار ﴿ ولهم عذاب أليم ﴾ فهذا تهديد لكفار مكة أنه يصيبهم مثل ما أصابهم، وتعزية للنبي - صلى الله عليه وسلم - ليصبر على أذاهم. ثم قال تعالى: ﴿ ومآ أنزلنا عليك الكتب ﴾ أي: القرآن ﴿ إلا لتبين لهم الذى اختلفوا فيه ﴾ من الدين لأنهم كانوا في طرق مختلفة اليهودية والنصرانية والمجوسية وغيرهم. فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن يبين لهم طريق الهدى. ثم قال: ﴿ وهدى ورحمة ﴾ أي: أنزلنا القرآن بيانا من الضلالة ونعمة من العذاب لمن آمن به ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ بالقرآن. قوله: ﴿ والله أنزل من السماء مآء ﴾ أي: المطر ﴿ فأحيا به الأرض بعد موتها ﴾ أي: بعد يبسها ﴿ إن فى ذلك لآية ﴾ أي: في إحيائها لعلامة لوحدانيته، إذ علموا أن معبودهم لا يستطيع شيئا. ﴿ لقوم يسمعون ﴾ أي: يطيعون ويصدقون ويعتبرون ويبصرون. قوله: ﴿ وإن لكم فى الأنعم لعبرة نسقيكم مما فى بطونه ﴾. قرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر " نسقيكم " بنصب النون وقرأ الباقون بضم النون ومعناهما قريب، يقال: سقيته وأسقيته بمعنى واحد. ﴿ مما فى بطونه ﴾: ولم يقل مما في بطونها، والأنعام جماعة مؤنثة وفي هذا قولان: إن شئت رددت إلى واحد من الأنعام وواحدها نعم والنعم تذكر وتؤنث كقوله:
وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهر
[البقرة: 74] أي: من الحجر. وإن شئت قلت على تأويل آخر نسقيكم وهو مما في بطونه أي: بطون ما ذكرنا. وهذا مثل قوله:
جنت معروشت وغير معروشت والنخل والزرع مختلفا أكله
[الأنعام: 141] وقال
إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطن فاجتنبوه
[المائدة: 90] ولم يقل فاجتنبوها أي فاجتنبوا ما ذكرنا. ثم قال تعالى: ﴿ من بين فرث ودم ﴾ يعني: يخرج اللبن من بين الفرث والدم. قال ابن عباس في رواية أبي صالح إن الدابة تأكل العلف فإذا استقر في كرشها طحنته الكبد فكان أسفله فرث وأوسطه لبن وأعلاه دم الكبد مسلط على هذه الأصناف الثلاثة فيقسم الدم فيجري في العروق، ويجري اللبن في الضرع ويبقى الفرث كما هو في الكرش. وقال بعضهم: إذا استقر العلف في الكرش صار دما بحرارة الكبد ثم ينصرف الدم في العروق. فمقدار ما ينتهي إلى الضرع صار لبنا لبرودة الضرع بدليل أن الضرع إذا كانت فيه آفة يخرج منه الدم مكان اللبن. ثم قال: ﴿ لبنا خالصا ﴾. صار اللبن نصبا على معنى التفسير ﴿ سآئغا للشاربين ﴾ أي: سهلا في الشرب لا يغص به شاربه، ويقال: يشتهي شاربه (إليه) ثم قال تعالى: ﴿ ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون منه ﴾ أي: من التمر، ويقال: " منه " كناية عن الأول وهو قوله ﴿ ومن ثمرت النخيل والأعنب تتخذون ﴾ من ذلك ﴿ سكرا ﴾ والسكر هو نقيع التمر إذا غلى واشتد قبل أن يطبخ، ويقال: سكرا أي: خمرا قال ابن عباس: نزلت هذه الآية وهي يومئذ كانت لهم حلال وهكذا قال الحسن والقتبي: إن هذه الآية نزلت في الخمر ﴿ ورزقا حسنا ﴾ يعني: الخل والزبيب والرب.
وروي عن ابن عباس أنه قال: تتخذون منه سكرا يعني: ما حرم منه. ورزقا حسنا ما أحل منه. وقال الشعبي: السكر النبيذ والخل، والرزق الحسن التمر والزبيب. وقال الضحاك: السكر الحرام والرزق الحسن الحلال وهؤلاء كلهم قالوا قبل تحريم الخمر. وقال الأخفش: سكرا طعاما. يقال هذا سكر لك أي طعام لك. وقال القتبي: لست أدري هذا. ثم قال: ﴿ إن فى ذلك لآية ﴾ أي: لعبرة ﴿ لقوم يعقلون ﴾ توحيد الله تعالى.