قلت: نعم، لا يخلو أحد من الأوهام، ولكن فرقٌ بين الصدوق الذي يهم قليلاً وله روايات كثيرة، وبين من ليس له من الحديث إلا القليل ومعظم حديثه وهم كالباهلي هذا! فهو على قلة حديثه إلا أنه لم يتابع على حديثه! والأئمة على تضعيفه وأنه ليس بحجة، ومن قال فيه صالح أو لا بأس به إنما في نفسه، فهو لا يتعمد الخطأ، ولكن الحديث ليس من صنعته.
· كيف ينتظم قول البخاري في علي بن مسعدة "فيه نظر" وتخريج البخاري له حديثاً في الأدب المفرد؟!
روى البخاري في ((الأدب المفرد)) (ص161) من طريق علي بن مسعدة عن عبدالله الرومي، قال: دخلت على أم طلق، فقلت: ما أقصر سقف بيتك هذا. قالت: يا بني، إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عمّاله: ((أن لا تطيلوا بناءكم، فإنه من شرّ أيامكم)).
قلت: تضعيف البخاري لعلي بن مسعدة وتخريجه لحديثه في الأدب لا تعارض فيه؛ لأن قوله فيه إنما معناه: فيه نظر فيما يرويه مرفوعاً فلا يحتج بحديثه في هذا، وأما ما يرويه من قصص وغير ذلك فهو مما لا مجال فيه للخطأ أو الوهم أو الكذب، فالرجل صدوق في نفسه، إلا أنه ليس بقوي في الحديث، فيرفع المرسل، ويهم، فلا يحتج به في ذلك، ويخرّج له في غيرها، وهذا هو منهج البخاري في مثل هؤلاء، سيما وإن هذا الأثر الذي رواه عن عمر إنما هو من فقه عمر العميق، فهذه الوصية عظيمة نافعة تدعو إلى عدم التطاول في البنيان والتبذير. ورحم الله عمر، ماذا عساه يقول لو رأى ما يفعله الناس في زماننا هذا من التطاول في البنيان والمنافسة فيه! رحماك يا الله.
· تضعيف الشيخ الألباني لأثر عمر!
قال الشيخ الألباني في ((ضعيف الأدب المفرد)) (ص50): "ضعيف الإسناد؛ عبدالله وأم طلق لا يُعرفان".
قلت: بل هو حسنٌ مقبول على منهج الإمام البخاري. والشيخ الألباني عندما "فك الإرتباط" بين كتب أهل العلم إلى صحيح وضعيف إنما أضاع مناهج أهل العلم في كتبهم!! فكلّ إمام له منهجه وذوقه الخاص في تخريج الأحاديث في كتبه، فهذا الأثر في مثل كتاب الأدب يكون حسناً، ولهذا رواه البخاري، ولكن الشيخ -غفر الله له- بعيد عن مناهج الأئمة وفقههم العميق؛ لأنه ينظر إلى ظواهر الأسانيد، فيصحح ويضعف بحسب ذلك دون إعطاء الموقوف على الصحابة والتابعين حقه.
وعبدالله الرومي وأم طلق لا يوجد فيهم جرح ولا تعديل، ولكن أخبارهما معروفة عند أهل العلم، وأم طلق من عابدات البصرة المعروفات.
قال ابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (8/ 486): "أم طلق. أخبرنا أبو أمامة قال: أخبرني علي ابن مسعدة قال: حدثنا ابن الرومي قال: دخلت على أم طلق بيتها فإذا سقف بيتها قصير، فقلت: ما أقصر سقف بيتك يا أم طلق. قالت: إن عمر كتب إلى عماله: أن لا تطيلوا بناءكم فإن شر أيامكم يوم تطيلون بناءكم".
وقال ابن حجر في ((التقريب)) (ص757): "أم طلق: لا يعرف حالها. من الثانية. بخ".
وقال في ((الإصابة)) (8/ 246): "أم طلق: لها إدراك. أخرج ابن سعد عنها قالت: كتب عمر إلى عماله: ألا تطيلوا بناءكم فإن شر أيامكم يوم تطيلون بناءكم".
قلت: طبقتها عالية وهي صدوقة إن شاء الله، ولها أخبار أخرى صحيحة، ولم أجد لها حديثاً مرفوعاً.
وكذلك ابن الرومي فهو صدوق أيضاً، وحديثه يدل على ذلك.
قال البخاري في ((التاريخ الكبير)) (5/ 133): "عبدالله بن عبدالرحمن الرومي: سمع أبا هريرة وابن عمر رضي الله عنهم. روى عنه ابنه عمر وحماد بن زيد. مات قبل أيوب السختياني البصري. قال محمد بن الحسين بن إبراهيم: حدثني أبي: سمعت حماد بن زيد: حدثنا عبدالله الرومي، ولم يكن رومياً كان رجلاً منا من أهل خراسان".
قلت: فمثله صدوق إن شاء الله. والشيخ الألباني لا يفرّق بين من هو ليس بمشهور في طبقة التابعين وبين من هو ليس بمشهور في الطبقات الأخرى! وهذا ليس من الإنصاف في شيء، فطبقة التابعين لها خصوصية ينبغي أخذها بعين الاعتبار عند الكلام على أحاديث هذه الطبقة.