تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وروى الإمام مسلم في «صحيحه» (6/ 427) من طريق يَحْيَى بنِ حُصَيْنٍ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ الحُصَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ ... ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنْ أُمِّرَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ مُجَدَّعٌ - حَسِبْتُهَا قَالَتْ: أَسْوَدُ - يَقُودُكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَاسْمَعُوا لَهُ وَأَطِيعُوا».

وروى نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة».

وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "حقّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك كان حقاً على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا".

قال ابن عبدالبر في «الاستذكار» (5/ 16): "وأما قوله (ألا ننازع الأمر أهله) فقد اختلف الناس في ذلك: فقال القائلون منهم: أهله أهل العدل والإحسان والفضل والدين مع القوة على القيام بذلك، فهؤلاء لا ينازعون لأنهم أهله، وأما أهل الجور والفسق والظلم فليسوا بأهل له. واحتجوا بقول الله عز وجل لإبراهيم ﴿إني جاعلك للناس إماماً. قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين﴾.

ذهب إلى هذا طائفة من السلف الصالح واتبعهم بذلك خلف من الفضلاء والقراء والعلماء من أهل المدينة والعراق، وبهذا خرج ابن الزبير والحسين على يزيد، وخرج خيار أهل العراق وعلمائهم على الحجاج، ولهذا أخرج أهل المدينة بني أمية عنهم وقاموا عليهم فكانت الحرة.

وبهذه اللفظة وما كان مثلها في معناها مذهب تعلقت به طائفة من المعتزلة وهو مذهب جماعة الخوارج.

وأما جماعة أهل السنة وأئمتهم فقالوا: هذا هو الاختيار: أن يكون الإمام فاضلاً عالماً عدلاً محسناً قوياً على القيام كما يلزمه في الإمامة فإن لم يكن فالصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف وإراقة الدماء وانطلاق أيدي الدهماء وتبييت الغارات على المسلمين والفساد في الأرض وهذا أعظم من الصبر على جور الجائر".

· وجوب تنصيب الخليفة للأمة، وطريقة ذلك.

قال القرطبي في «تفسيره» (1/ 264) في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: "هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة.

ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الائمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم، وكذلك كلّ من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه، قال: إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الامة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم، وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه، أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك.

ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إني جاعل في الارض خليفة﴾ [البقرة: 30]، وقوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض﴾ [ص: 26]، وقال: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض﴾ [النور: 55] أي يجعل منهم خلفاء، إلى غير ذلك من الآي.

وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والانصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش، ورووا لهم الخبر في ذلك، فرجعوا وأطاعوا لقريش.

فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك، فدلّ على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين، والحمد لله رب العالمين.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايك · الصفحة ١٣٠٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أرشيف موقع الدكتور خالد الحايكص ١٣٠٣