قلت: فكما ترى: إن الخلاف قائم بين أهل العلم في هذه المسألة، وأما ادّعاء الإجماع فلا ينهض؛ لأنه لا إجماع بعد عصر الصحابة، والإجماع على حرمة الخروج على الفاسق الظالم لا يصح؛ لأن جماعة عظيمة من التابعين قد خرجوا على الفاسقين الظالمين، ولا يصح تأويل ذلك أنهم خرجوا على اعتبار أن الحجاج كان كافرا؛ لأن الناس – ومنهم بعض الصحابة – كانوا يصلون خلفه، وكان يبعث البعوث للجهاد، وهذا لا يفعله الكافر، وإنما خرجوا عليه لفسقه وظلمه وإراقته للدماء.
وهذا المنهج الذي اتخذه المتأخرون وإيرادهم الإجماع وغيره إنما كان نابعاً من تسلط الأمراء على كثير من أهل العلم في زمانهم، ثم مضى الناس على ذلك: يرددون ما في هذه الكتب!! فإذا عورضوا بخروج التابعين قالوا: لقد أخطأوا!! وهذا لا يصح البتة؛ لأن هؤلاء كانوا من خيار أهل العلم.
وأما مسألة نجاح هذه الخروجات أو عدمها، فهذا ليس له ههنا مدخل في أصل المسألة! فأصل الخروج شيء، ومسألة النجاح وعدمه شيء آخر، ولا يُحتج بقول ابن تيمية وغيره من أنه لم تنجح هذه الخروجات وأن فتنتها كانت عظيمة! فهذا كله نابع من اجتهاد هؤلاء الأئمة في أزمنة كثيرة مضت والدستور هو القرآن والسنة، فما بالك لو أنهم عاشوا في زمان قد أبدل فيه هذا الدستور بقوانين وضعية!! وهل كان هؤلاء الأئمة سيرضون أن يُحيّد شرع الله ويُستبدل به قول البشر.
قال الشوكاني: "وقدْ اسْتَدَلَّ القَائِلُونَ بِوُجُوبِ الخُرُوجِ عَلَى الظَّلَمَةِ وَمُنَابَذَتِهِمْ السَّيْفَ وَمُكَافَحَتِهِمْ بِالْقِتَالِ بِعُمُومَاتٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي وُجُوبِ الأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ، وَلا شَكَّ وَلا رَيْبَ أَنَّ الأحَادِيثَ الَّتِي ذَكَرَهَا المُصَنِّفُ فِي هذَا الْبَابِ وَذَكَرْنَاهَا أَخَصُّ مِنْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ مُطْلَقًا، وَهِيَ مُتَوَافِرَةُ الْمَعْنَى كَمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ لَهُ أَنَسَةٌ بِعِلْمِ السُّنَّةِ، وَلَكِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحُطَّ عَلَى مَنْ خَرَجَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ الْعِتْرَةِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى أَئِمَّةِ الْجَوْرِ فَإِنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِاجْتِهَادٍ مِنْهُمْ، وَهُمْ أَتْقَى لِلَّهِ وَأَطْوَعُ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَقَدْ أَفْرَطَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ كَالْكَرَّامِيَّةِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ فِي الْجُمُودِ عَلَى أَحَادِيثِ الْبَابِ حَتَّى حَكَمُوا بِأَنَّ الْحُسَيْنَ السِّبْطَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ بَاغٍ عَلَى الْخِمِّيرِ السِّكِّيرِ الْهَاتِكِ لِحُرُمِ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، فَيَالَلَّهِ الْعَجَبُ مِنْ مَقَالاتٍ تَقْشَعِرُّ مِنْهَا الْجُلُودُ وَيَتَصَدَّعُ مِنْ سَمَاعِهَاكُلُّ جُلْمُودٍ".
قلت: قدّم الشوكاني هذه الأحاديث وهي خاصة على العمومات، وهذا لا غبار عليه، ولكن الاعتماد في هذه الأحاديث المخصصة كان على بعض الألفاظ التي لم تصح فيها، والأمر على عدم الخروج ما دام الحكم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واللافت للنظر أن الشوكاني قد جعل خروج السلف على أئمة الجور، لا على من ظهر منه كفر صراح؛ لأن هذا الكفر الذي يتطلبه بعض أهل العلم كما في حديث عبادة صعب التحقق!
وطالما أن هذا الفعل كان من هؤلاء السلف كان باجتهاد منهم، فهذا يعني أنه لم يصح عندهم دليل بعدم الخروج؛ لأنه لا اجتهاد مع وجود النص.
فالأصل عدم الخروج على الإمام العادل الذي يحكم بكتاب الله وسنة رسوله، وإما إن كان جائراً ويحكم بكتاب الله ويقيم الجهاد، فهذا هو الذي كره الأئمة الخروج عليه منعاً للفتنة وسفك الدماء، وأما من لم يحكم بكتاب الله، فهذا مما لا خلاف فيه في وجوب القيام عليه.