تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نعم، قد دعاه إليه. فإن قال: وفي أي حال دعاه إليه؟ قيل: حين قال: ﴿يا قوم إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين﴾ وذلك هو الوقت الذي قال له ربه أسلم من بعد ما امتحنه بالكواكب والقمر والشمس

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾

[البقرة: 132]

يعني تعالى ذكره بقوله: ﴿ووصى بها﴾ [البقرة: 132] ووصى بهذه الكلمة؛ أعني بالكلمة قوله: ﴿أسلمت لرب العالمين﴾ [البقرة: 131] وهي الإسلام الذي أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم، وهو إخلاص العبادة والتوحيد لله، وخضوع القلب والجوارح له

ويعني بقوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ [البقرة: 132] عهد إليهم بذلك وأمرهم به

وأما قوله: ﴿ويعقوب﴾ [البقرة: 132] فإنه يعني: ووصى بذلك أيضا يعقوب بنيه

كما حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سعيد، عن قتادة: " قوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: 132] يقول: ووصى بها يعقوب بنيه بعد إبراهيم "

حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ [البقرة: 132] وصاهم بالإسلام، ووصى يعقوب بمثل ذلك " PageEndV02P583 وقال بعضهم: قوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه﴾ [البقرة: 132] خبر منقض، وقوله: ﴿ويعقوب﴾ [البقرة: 132] خبر مبتدأ، فإنه، قال: ووصى بها إبراهيم بنيه بأن يقولوا: أسلمنا لرب العالمين، ووصى يعقوب بنيه أن: ﴿يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [البقرة: 132] . ولا معنى لقول من قال ذلك؛ ولأن الذي أوصى به يعقوب بنيه نظير الذي أوصى به إبراهيم بنيه من الحث على طاعة الله والخضوع له والإسلام. فإن قال قائل: فإن كان الأمر على ما وصفت من أن معناه: ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب أن يا بني، فما بال أن محذوفة من الكلام؟ قيل: لأن الوصية قول فحملت على معناها، وذلك أن ذلك لو جاء بلفظ القول لم تحسن معه أن، وإنما كان يقال: وقال إبراهيم لبنيه ويعقوب: ﴿يا بني﴾ [البقرة: 132] ، فلما كانت الوصية قولا حملت على معناها دون قولها، فحذفت أن التي تحسن معها، كما قال تعالى ذكره: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾ [النساء: 11] وكما قال الشاعر: [البحر الرجز]

إني سأبدي لك فيما أبدي لي شجنان شجن بنجد

وشجن لي ببلاد السند PageEndV02P584 فحذفت أن إذ كان الإبداء باللسان في المعنى قولا، فحمله على معناه دون لفظه. وقد قال بعض أهل العربية: إنما حذفت أن من قوله: ﴿ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب﴾ [البقرة: 132] باكتفاء النداء، يعني بالنداء قوله: يا بني، وزعم أن علته في ذلك أن من شأن العرب الاكتفاء بالأدوات عن أن كقولهم: ناديت هل قمت؟ وناديت أين زيد؟ قال: وربما أدخلوها مع الأدوات فقالوا: ناديت أن هل قمت؟ وقد قرأ عهد إليهم عهدا بعد عهد، وأوصى وصية بعد وصية

تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن · الجزء ٢ · الصفحة ٥٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآنج ٢ · ص ٥٨٢