تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

***

(س3) ومنه: هل يفيد حفظ القرآن في اكتساب ملكة البلاغة كغيره من الكلام البليغ؟

(ج) لعل سبب السؤال توهم أن القرآن في علو أسلوبه وإعجازه لا يمكن

أن يحتذي بلاغته من لا يطمع أن يبلغ غايته. والصواب أن لحفظ القرآن مع

فهمه أبلغ التأثير في ارتقاء ملكة البلاغة العربية، ولقد ارتقى به كلام العرب

أنفسهم فكان كلامهم في المنظوم والمنثور بعد الإسلام أعلى منه قبله. فالقرآن أنفع

الكلام في ارتقاء اللغة كما أنه أنفعه في إصلاح الأرواح وتهذيب النفوس وإكمال

العقول. ولا يستلزم نفعه في ارتقاء البلاغة إمكان التسلق إلى درجته، والجري إلى

غايته، وإن لنا لعودة إلى هذه المسألة إن شاء الله تعالى.

***

(س4) ع. ا. ر. في الإسكندرية: لا يخفى ما رسخ في أوهام العوام من

مسألة كرامات الأولياء والخروج في فهم حقيقتها عن الحد الذي نبهت عليه شريعتنا

السمحة، وبثغرنا واحد من هؤلاء الدجالين الجهلاء المنتحلين لأنفسهم على الغيب،

وله سبحة طويلة ينظر فيها عند سؤاله من العامة فيخبرهم بما يحصل لهم في غد

من الحوادث فيصدقونه، والمنتبهون منهم إن سألوا بعض العلماء عن ذلك جوزوه

بدعوى أنه كرامة من غير توضيح ما هي الكرامة ومن يكرم الله بها من عباده

المتقين غير الدجالين الذين هم عن صلاتهم ساهون.

ولما كان للإسلام والمسلمين صوى و (منار) كمنار الطريق الذي

يتخذونه نبراسا لهم ودليلا إن هم تاهوا في بيداء الحيرة وقبور الضلال، فقد أرسلت

بهذه السور إليكم ملتمسا من بحر علمكم وواسع حكمتكم أن توضحوا بعدد المنار المقبل

(وإن كان سبق توضيح) : هل ورد في الشرع ما يجيز لأحد من الناس التهجم على

غيب علم الله الذي ستره عن عباده وإخبار الناس بما يصيبهم من خير أو شر؟ فإن

ضل أو استشعر من الخبط والخلط قال: (السبحة تايهة السبحة تايهة) فالمرجو أن

توضحوا لنا ذلك بمناركم المنير وتزيلوا هذه الغيوم المتلبدة على العقول.

(ج) لم يرد في كتاب الله ولا سنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يدل على جواز

هذه الدعوى لأحد، بل ورد ما يدل على أن الأنبياء عليهم السلام قد أمروا بأن

يتنصلوا منها: {قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم

إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} (الأنعام: 50) ، {قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت

أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم

يؤمنون} (الأعراف: 188) ، {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب

إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون} (النمل: 65) والآيات في هذا المعنى كثيرة.

واستشكل بعضهم نفي علم الغيب عن النبي مع أنه أخبر بكثير منه، وأحسن جواب

أجابوه ما تؤيده الآيات كقوله تعالى: ﴿إن أتبع إلا ما يوحى إلي﴾ (الأنعام:

50) فنقول فيما أخبر به من ذلك كما قال الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى *

إن هو إلا وحي يوحى} (النجم: 3-4) وأما المنفي فهو ما يتعلق بمصالح

الدنيا وما يكون من أمر الناس فيها واستشهدوا له بالحديث الصحيح الوارد في

تأبير النخل وقوله لما خرج خلاف ما قاله عليه السلام: (أنتم أعلم بأمر دنياكم)

وفي رواية لمسلم: (إن كان شيء من أمر دنياكم فشأنكم وإن كان من أمر

دينكم فإلي) فالحديث يدل على أن الله تعالى لم يعط الأنبياء معرفة الغيب في

مصالح الناس في دنياهم، وإنما جعل علم الدنيا كسبيا يعلمه الناس بالبحث والجد.

أما هؤلاء الدجالون من أصحاب السبح ونحوهم فلا تزال بضاعتهم تروج ما

دام هذا الجهل فاشيا في جميع طبقات الأمة، ولا ينفع في الجاهل المقلد الأعمى دليل

ولا برهان. وراجعوا مقالات (كرامات الأولياء) في ص401 و417 و 449

و481 و 545 من مجلد المنار الثاني.

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٩