تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأمثال هذه الأقوال من كبار الفقهاء؛ هي التي جعلت اللورد كرومر يعتقد أن

هذا الفقه الذي يحكمون به، قد صبغ كله بصبغة الدين، فلا يمكن تنقيحه، وهو

يعتقد قطعا أنه لا يوافق مدنية هذا العصر، ولا ينطبق على مصالح أهله. أما أصل

الدين وهو الكتاب العزيز والسنة النبوية، فقد يعتقد فيه ذلك، وقد يكون مصدقا

لطلاب الإصلاح في قولهم لا ينافي المدنية، ويدل على الأخير حثه الأوربيين على

مساعدة حزب الشيخ محمد عبده الذين يطلبون الإصلاح من غير مس لأصول الدين.

وقد حدثني الأستاذ الإمام - رحمه الله تعالى - أنه كان يكلمه مرة في هذا الموضوع

بمناسبة مقاومة الجامدين لإصلاح المحاكم الشرعية، فأقام المرحوم له الدلائل على

أن الإسلام يدعو إلى كل صلاح، ويناسب كل زمان، فقال له اللورد: أتصدق يا

أستاذ أنني أعتقد أن دينا أوجد مدنية جديدة، وقامت به دول عظيمة لا يكون أساسه

العدل؟ هذا محال. ولكنني أعلم أن هذه المقاومات أمور (إكليركية) أي: تقاليد

كتقاليد الكنيسة.

تذكرنا هذا، فقلنا في نفسنا: لعل اللورد لا يقصد بعبارة التقرير ما يتبادر منها

لئلا يتناقض ذلك مع ما ذكرنا آنفا. ولكن هذا لا يمكن أن يعرف إلا من - قبله

فكتبنا إليه كتابا نسأله، أي الأمرين يعني بعبارته: هذا نصه:

القاهرة في 20 ربيع الأول سنة 1325

جناب اللورد العظيم:

أحييك بما يليق بمكانتك؛ وإن لم يسبق لي شرف المعرفة لحضرتك، وأرجو

أن تمن علي ببضع دقائق من وقتك الثمين تجيبني فيها عن السؤال الآتي الذي

يهمني، من حيث أنا صاحب مجلة إسلامية، تدافع عن الدين، وتبحث في فلسفته

وهو:

هل عنيت بما قلت في تقريرك الأخير عن الحكم بالشريعة الإسلامية التي

وضعت منذ أكثر من ألف سنة الدين الإسلامي نفسه؛ الذي هو عبارة عن القرآن

الحكيم والسنة النبوية؟ أم عنيت بذلك الفقه الإسلامي الذي وضعه الفقهاء؟ فإن كنت

تعني الثاني فهو من وضع البشر؛ وقد مزجت فيه آراؤهم بما يأخذونه عن الأول،

وخطأ فيه بعضهم بعضا، وقد ترك حكام المسلمين أنفسهم العمل بكثير منه، ولطلاب

الإصلاح من المسلمين انتقاد على كثير من تلك الآراء في كل مذهب.

وإن كنت تعني الأول، فهذا العاجز مستعد لأن يبين لجنابكم أن معظم ما

جاء في الدين نفسه من الأحكام القضائية والسياسية هو من القواعد العامة؛ وهي

مصلحة البشر في كل زمان ومكان؛ لأن أساسها درء المفاسد وجلب المصالح

وبحكم الشورى - وما فيه من الأحكام الجزئية (وهو مقابل المعظم) راجع إلى

ذلك، وأختم رقيمي مودعا لجنابكم بالتحية والاحترام.

... ... ... ... ... ... ... ... ... منشئ المنار بمصر

... ... ... ... ... محمد رشيد رضا

كتبنا إليه هذا ونحن نتمنى لو يجيبنا؛ بأنه يبرئ أصل الدين من معارضة

المدنية ونخشى أن لا يفعل، ذلك بأننا نعتقد أن كلامه في الإسلام يؤثر في جميع

الشعوب الأوروبية، ما لا يؤثر كلام غيره، فإذا هم اعتقدوا بشهادته أن الإسلام

نفسه يتفق مع المدنية، ويسير مع العدل، وأن السبب فيما يرى من سوء حال أهله

هو ما ألصقوا به من التقاليد والآراء؛ وجعلوه بهذا الإلصاق دينا، فإن هذا الاعتقاد

يكون أكبر عون لنا على خدمة الإسلام؛ والدفاع عن أهله الذين أصبح معظمهم

تحت سلطة الأوربيين. وإذا هم اعتقدوا بالعكس كان ذلك أشد منفر لهم عن الإسلام

وحامل لهم على إلزام حكوماتهم بالضغط على رعاياهم. وكنا عازمين على أن

نكتب إليه رسالة في بيان أن ما جاء في الإسلام من الأصول الأساسية للأحكام

الدنيوية، يوافق مصالح البشر في كل زمان، ونقدمها إليه مترجمة بالإنكليزية،

ونسأله باسم العدل والإنصاف أن يبدي رأيه فيها، كنا عازمين على هذا لو أجابنا

بأنه يعني بما كتب الإسلام نفسه؛ أو مجموع ما عليه المسلمون من كتاب وسنة وفقه

لأنه يعتقد ذلك، ولا يخاف في إظهاراعتقاده أحد. ولكنه تفضل بالجواب الآتي

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٩٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٩٧