المصرية، وهو لا يبحث في الجملة إلا في المسائل الدينية والفلسفية، وغايته التي
يرمي إليها هي تعليم المسلمين دينهم على أنقى صورة له، نافيا عنه الأوهام
والخزعبلات والبدع القديمة وقد قال الشيخ محمد عبده: إن دين الإسلام في شكله
الحقيقي هو غاية ما يطلبه الإنسان من الكمال - هذه هي خطة المنار؛ وهو مجلة
تصدر في الشهر مرتين.
وجاء في عدد آخر منها:
(المنار)
الصادر بالقاهرة في شهر فبراير (أي من سنة 1905) أهم مقالة في
هذا العدد تبحث عن مثال للحكومة الإسلامية، وكاتب هذه المقالة صالح بن علي
اليافعي وهو كاتب هندي [6] قد بين فظائع الحكومة المطلقة التي مقتها القرآن والنبي،
وقد بين هذا الكاتب أن الحكومة الإسلامية كانت في زمن الخلفاء الأولين ديمقراطية
محضة وأن الخليفة نفسه كان ينتقده نواب الأمة الذين كانت مهمتهم مراقبة سيره
مراقبة شديدة.
الإسلام لا يقبل من شكل الحكومة إلا الملكية المقيدة والجمهورية، والجملة أن
كل ضرب من ضروب الحكومة المطلقة يديره أي حاكم مسلم كائنا من كان، ليس
من الإسلام في شيء. جاءت هذه المقالة عقب جزء من تفسير القرآن للشيخ محمد
عبده اه.
والمراد مما تقدم أن الباحثين في أمور الشرق من الأوربيين عارفون بمرامي
طلاب الإصلاح من المسلمين، وأنهم يريدون الرجوع بالدين إلى ما كان عليه في
أول نشأته، غير متقيدين بما وضعه العلماء من التقاليد التي قد تحول دون مجاراة
أهل هذا العصر، بل مسابقتهم في علومهم ومدنيتهم؛ لأنهم يرون أن الكتاب
والسنة يحثان على ذلك، لا يحولان دونه، والمقلدون للفقهاء يرون غير ذلك.
ولا يعقل أن يكون اللورد كرومر غير عارف ما عرفه كثير من الأوربيين الذين
لم يقيموا في الشرق كما أقام، ولم يكتنهوا أمر المسلمين كما اكتنهه، فإن كان بعد
هذا الاختبار كله يقول للأوربيين: إن رجوع المسلمين إلى أصول شريعتهم
المدنية وعملهم بها، يرجع بهم إلى طور السذاجة المضادة للحضارة، فإن قوله
هذا أعظم صدمة للإصلاح الذي ندعو إليه؛ لأن كلامه في ذلك يؤخذ بالقبول
عند الأمم الأوربية كلها، ويخشى أن يناهضوا الدعوة إلى الإصلاح في بلادهم؛
ولا شيء يدفع ذلك إلا كلام من اللورد نفسه.
لهذا وقعت علينا عبارة التقرير في القوانين الإسلامية كالصاخة، وأخذنا نجيل
قداح الفكر فيها، فرأينا بعد طول التأمل أن العبارة وإن كان المتبادر منها أنها في
الإسلام نفسه، كتابه وسنته وفقهه، وكل شيء فيه يتعلق بالمعاملات - يجوز أن
تحمل على الفقه وحده؛ لأن حكام المسلمين لا يحكمون إلا به، إذا هم أرادوا
الرجوع إلى الإسلام، وإنما قلنا: يجوز أن يكون هذا هو مراد اللورد، وإن كانت
عبارته مطلقة تفيد ما هو أعم من هذا، وتشمل الأحوال الشخصية؛ لأن التمسك
بالفقه هو الذي رآه المانع من إصلاح المحاكم الشرعية. كما بينا ذلك بالتفصيل في
مقالة نشرت في المجلد السابع من المنار (ص212) استشهدنا فيها بما قاله في
تقريره عن سنة 1902 وسنة 1903 وبشيء من محاضر مجلس شورى القوانين.
من ذلك أن أحمد بك يحيى (أحمد باشا الآن) اقترح تأليف لجنة لوضع
تقرير في إصلاح المحاكم الشرعية. فقال الشيخ حسونة النواوي " إني لا أعلم أن
المحاكم الشرعية تحتاج إلى الإصلاح في أمر من أمورها " قال في محضر الجلسة:
(تقرر بالأغلبية التصديق على رأي الشيخ حسونة النواوي) وقد ذكر اللورد هذا في
كلامه عن المحاكم الشرعية في تقريره سنة 1903؛ وهو مع ذلك أعلم الناس بكثرة
شكوى المسلمين من هذه المحاكم.
ومن ذلك أن قاضي مصر قال لما طرحت مسألة إصلاح المحاكم الشرعية
في الجمعية العمومة سنة 1904 ما نصه: (قد سمعنا المقترحات المتعلقة بالمحاكم
الشرعية، ونقول: إن أعمال تلك المحاكم ترجع أولا إلى الشرع الشريف، وهذا
لا يمكن لمسلم أن يقول إنه يحتاج إلى إصلاح) ... إلخ.