من النساء فيكون الخير لهن أن يكن ضرائر، ولا يكن فواجر يأكلن بأعراضهن،
ويعرضن أنفسهن بذلك لمصائب ترزحهن أثقالها، وقد أنشأ القوم يعرفون وجه
الحاجة، بل الضرورة إلى هذا، كما عرفوا وجه ذلك في مسألة الطلاق، وقام من
نساء الإنكليز الكاتبات الفاضلات يطالبن في الجرائد بإباحة تعدد الزوجات؛ رحمة
بالعاملات الفقيرات، وبالبغايا المضطرات. وقد سبق لنا في المنار ترجمة بعض ما
كتبت إحداهن في جريدة (لندن ثروت) مستحسنة رأي العالم تومس في أنه لا
علاج لتقليل البنات الشاردات إلا تعدد الزوجات، وما كتبت الفاضلة مس إني رود
في جريدة (الإسترن ميل) والكاتبة اللادي كوك في جريدة (الايكو) في ذلك
(راجع ص 481 م 4) .
إن قاعدة اليسر في الأمور ورفع الحرج من القواعد الأساسية لبناء الإسلام
﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ (البقرة: 185) و {ما يريد الله
ليجعل عليكم في الدين من حرج} (المائدة: 6) ولا يصح أن يبنى على هذه
القاعدة تحريم أمر تلجئ إليه الضرورة أو تدعو إليه المصلحة العامة أو الخاصة
(كما بينا ذلك في مقالات الحياة الزوجية وغيرها) وهو مما يشق امتثاله دفعة
واحدة لاسيما على من اعتاد المبالغة فيه كتعدد الزوجات، كذلك لا يصح السكوت
عنه، وترك الناس وشأنهم فيه على ما فيه من المفاسد، فلم يبق إلا أن يقلل العدد
ويقيد بقيد ثقيل؛ وهو اشتراط انتفاء الخوف من عدم العدل بين الزوجات؛ وهو
شرط يعز تحققه، ومن فقهه واختبر حال الذين يتزوجون بأكثر من واحدة، يتجلى
له أن أكثرهم لم يلتزم الشرط، ومن لم يلتزمه فزواجه غير إسلامي.
وجملة القول في هذه المسألة: إن القرآن أتى فيها بالكمال الذي لابد أن
يعترف به جماهير الأوربيين، ولو بعد حين كما يعترف به بعض فضلائهم
وفضلياتهم الآن. أما المسلمون فلم يلتزموا هدايته؛ فصاروا حجة على دينهم.
ونحن أحوج إلى الرد عليهم والعناية بإرجاعهم إلى الحق منا إلى إقناع غير المسلمين
بفضل الإسلام، مع بقاء أهله على هذه المخازي والآثام؛ إذ لو رجعوا إليه لما كان
لأحد أن يعترض عليه.
(4)
الأحكام المدنية والجنائية
في الشريعة الإسلامية
يفرق كتاب العصر بين الدين والشريعة، فيعنون بالدين الاعتقاد والعبادات
والفضائل؛ أي ما يراد به إصلاح الأرواح وإعدادها لسعادة الآخرة أولا وبالذات،
وإن كان يفيد في سعادة الدنيا أيضا، ويعنون بالشريعة ما يسوس به الحكام الناس،
ويفصلون به بينهم في الخصومات؛ أي ما يراد به إصلاح أحوال الاجتماع السياسية
والمدنية والجنائية، ومن المعروف أن موسى جاء بدين وشريعة، ومعظم ما جاء به
أحكام دنيوية. وأن عيسى جاء بدين فقط، وأقر اليهود على شريعة موسى، وأن ما
جاء به محمد (عليه وعليهم الصلاة السلام) جمع بين الأمرين، ويعتقد الإفرنج أن
المسلمين لا يفرقون بين الدين والشريعة؛ لأن كلا منهما إلهي عندهم، ولما كانت
الأمور الدنيوية تختلف باختلاف الزمان والمكان حتما، كان من المحال أن توضع
لها شريعة تامة توافق مصلحة الناس في كل زمان ومكان، وهذه مسألة لا يختلف
فيها عاقلان، ومن ثم يعتقد الإفرنج أنه يستحيل على المسلمين أن يجاروهم في
مدنيتهم، ماداموا يعدون شريعتهم التي عليها مدار أمور دنياهم إلهية، لا يجوز فيها
التغيير والتبديل، ولا يفرق فيها بين حال البدو في الصحراء، وحال من بلغوا من
الحضارة ذروة الارتقاء، ويعدون حكامهم رؤساء يتقرب إلى الله بطاعتهم، فلا
يعارضونهم في استبدادهم بهم، ولا يأنفون من استعبادهم إياهم.
لو اعتقد القوم فينا أننا لا نرتقي ما دمنا على شريعتنا وتركونا وشأننا لما
بالينا. ولكنهم يعرضون لنا في شؤوننا ويفتاتون علينا في خاصة أنفسنا، زاعمين
أن المدنية التي سفكوا في وسائلها دماءهم، ووقفوا على مقاصدها حياتهم، وبذروا
بذورها في الشرق بعد أن جنوا ثمرتها في الغرب - لا يرجى أن تنمو لها نبتة ولا أن