تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مجموعا مرتبا على ترتيب معلوم عند كل واحد منهم. قال معاذ: عرضنا القرآن

على النبي عليه السلام- فلم يعب منا أحدا.

وكان للنبي عليه السلام كتبة؛ يكتبون فورا كل ما نزل إليه على الصحائف

والقراطيس من الرقوق والأوراق غالبا، وعلى الألواح وعسب النخل أحيانا. كان

النبي -عليه السلام- يملي عليهم مباشرة، بقول: إن هذه الآية تكتب عقيب آية كذا

في سورة كذا. وكان كتابة ما نزل من القرآن ملتزمة منهم. حتى زمن الاختفاء في

أوائل الإسلام، إذ كان المسلمون يتدارسون القرآن من الصحائف في البيوت، وكان

المشركون يدعون الدراسة إذ ذاك الهينمة [1] من شواهد حديث عمر قبل إسلامه مع

أخته وختنه.

وكانت العرب تكتب كل شيء نفيس أو مهم عندهم، كالأشعار الفصيحة،

والخطب البليغة من شواهد ذلك القصائد المعلقة، والصحيفة التي أكلتها الأرضة.

وكان كثير من الصحابة لهم علم بالقلم، وكان أنس بن مالك يقول: هذه أحاديث

سمعتها من رسول الله وكتبتها وعرضتها، وكثير من هؤلاء كانوا يكتبون في

الصحائف كل آية حفظوها، ويعرضونها على النبي -عليه السلام - وعين من

هؤلاء جماعة على كتابة الوحي، كانوا متمكنين من الكتابة باللسان العربي كل

التمكن كعلي وعثمان وعمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وأنس بن مالك وعبد الله

ابن سلام وغيرهم.

فكان النبي يملي عليهم مباشرة؛ فيكتبون ما نزل بحضرته، ويعرضون عليه

مرة بعد أخرى حتى يقرهم. بهذا الكيفية كتب القرآن من أوله إلى آخره في حياة

الرسول على صحائف وقراطيس متفرقة، وكانت هذه الصحائف والقراطيس أغلى

عندهم من أنفسهم، وأنفس من كل نفيس، وأحب إليهم من كل حبيب جليس. يدل

عليه أحاديث رويناها في تنافسهم في حفظ هذه الصحائف والقراطيس، وفي حبهم

التبرك بها أحيانا في المجالس.

وكل ما ذكرته عن شأن حفظ القرآن في الصدور، وما أجملته بعد ذلك في

كيفية جمعه في الصحائف وأثبته في السطور، يدل دلالة قطعية باهرة على أن

القرآن زمن النبي -عليه السلام -كان مجموعا مرتبا على ترتيب معلوم؛ محفوظا

في الصدور مكتوبا على ترتيب الحفظ في السطور والأحاديث متضافرة متساعدة

في ذلك.

ولأن إهمال الحفظ والكتابة والترتيب من النبي، ومن ألوف مؤلفة من

الصحابة الذين يتيقنون أن السبب في عزهم وسعادتهم هو القرآن، وأنه هو أساس

دينهم وشريعتهم، وأنه هو الذي يقربهم إلى الله -عز وجل - والذين كانوا يبذلون

جميع ما يستطيعون وما يتصوره العقل في سبيل حفظه كما أنزل مصونا عن أدنى

شائبة - الإهمال من مثل هؤلاء شيء محال لا ريب فيه.

ثم توفي رسول الله يوم أكمل الله لنا ديننا ورضي لنا الإسلام دينا، والإسلام

قد ظهر في جميع جزيرة العرب؛ وفيها مدن وقرى كثيرة كاليمن والبحرين وعمان

ونجد وجبلي طي وبلاد مضر وربيعة وقضاعة والطائف ومكة كلهم قد

أسلم، وبنوا المساجد ليس فيها مدينة ولا قرية ولا حلة أعراب إلا وقد قرئ فيها

القرآن في الصلوات، وعلمه الصبيان والنساء وكتب. ومات رسول الله - صلى الله

عليه وسلم - والمسلمون كذلك؛ ليس بينهم اختلاف في شيء أصلا، كلهم أمة

واحدة، ودين واحد، ومقالة واحدة، ثم تولى الأمر أبو بكر سنتين وستة أشهر

فغزا فارس والروم وفتح اليمامة وزادت قراءة الناس القرآن، وجمع الناس

المصاحف جمعا مبتدأ، كأبي وعمر وعثمان وعلي وزيد وابن مسعود وسالم. ولم

يكن بين المسلمين اختلاف في شيء زمن خلافته، وما كان من ظهور الأسود

العنسي في صنعاء ومسيلمة باليمامة وانقسام العرب أربعة أقسام:

طائفة ثابتة على الطاعة، وطائفة مانعة للزكاة، وطائفة معلنة بالردة، وطائفة

متوقفة متربصة لمن تكون الغلبة. فقد أخرج إليهم أبو بكر البعوث، وجهز إليهم

عصابة من المسلمين فقتل الأسود ومسيلمة، ولم يمض عام واحد حتى راجع

الجميع الإسلام، فلم تكن هذه الفتن إلا كنار اشتعلت فانطفأت للساعة. فبعد أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٧٤