تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تطوف الشوارع للبحث عن صيد يقع في شراكها، ولكنها تتربع العربات،

وتعيش عيشة الأغنياء، وتشهد التمثيل في التياترات، ولا يزيد عشاقها على اثنين

أو ثلاثة؛ فلهذا لا تستطيع الواحدة منهن أن تبذر العدوى بين الجمهور، إذا كانت

مصابة بالأمراض، بل إن عدواها تقتصر أو تنحصر في محبيها، ومحبو مثل هذه

العاهرات هم الأغنياء وأصحاب الثروة، ولقد درج في القاهرة، أن يكون لكل شاب

غني حظية أو حبيبة، حتى يكون ذلك الشاب معدودا في مصاف المتمدنين،

ويؤمره اللطفاء والظرفاء من الراقين والسامين.

والواحدة منهن تقول معجبة بنفسها أنها لا تسمح لأحد بأن يدنو منها

ويجامعها، إذا لم يدفع لها 40 أو 50 جنيها، فهن يحسبن لأنفسهن فضيلة غلو

السعر، وارتفاع الأجرة، لا حفظ العرض والعفة، فمثل هذا الطلب لا يجيبه إلا

العدد القليل من الجمهور، خلافا لتلك البغيات بنات السوق والشارع، فإن الواحدة

منهن تسلم لأي كان عرضها، بما يكفي لدفع ثمن الخبر في يومها، أو ثمن الشرب

في ليلتها.

فإذا هن تمكن من الخلاص من يد البوليس دهرا طويلا، فإن أكثرهن يقع في

قبضته؛ لأن الفقر يقضي عليهن بأن يطفن الشوارع ويتحرشن بهذا وذاك،

ويحرضن على الفسق والفجور كل مار، وكل سائر، فإذا نجون من يد البوليس مرة،

فإنهن لا ينجون من يده كل مرة.

عدد المصابين في سنة واحدة

من أنعم النظر قليلا في حال تلك العاهرات، وكثرة عددهن، وكثرة

المصابات منهن بالأمراض، وعرف أن الواحدة منهن، تسلم نفسها في كل ليلة لعدة

رجال، قد يكونون سليمين من الأمراض والأدواء، عرف أن عدد الرجال الذين

يصابون بأمراض أعضاء التناسل عظيم هائل، فإذا لم يصابوا يكون الفضل في ذلك

للمراقبة الطبية، وللتحوطات الصحية التي تنتشل الإنسانية من هوة بعيدة القرار،

وشر مستطير، لا يعرف أحد لولا وقاية الطب، ماذا يكون من ورائه على

الإنسانية كلها؟

فلهذا أرى أنه لا بد من مراقبة العاهرات في القاهرة، ولا أسلم قط بأن هذه

المراقبة غير ضرورية، بل لا يمكنني أن أقتنع وأسلم بأن الخطر ليس شديدا على

الإنسانية، وليس مهددا البلاد كلها.

وإذا ما خطر لي التأمل بإهمال المراقبة هنا جزعت؛ لعلمي ما وراء ذلك من

الخطر، والمصاب الجليل، والضربة الشديدة.

يؤخذ من إحصاء مدينة باريز، على أن متوسط عدد النساء اللائي يقبض عليهن

وهن مصابات بالأدواء هو 11 امرأة في اليوم، من غير الخاضعات للمراقبة الطبية،

فإذا حسبت هذا على دورة العام كان عدد المصابات 3600 مصابة أو 4000

مصابة، قد أخرجتهن حكومة باريز من وسط الجمهور، وحجرت عليهن وعزلتهن

إلى أن يتم شفاؤهن، فإذا مكثن على معاطاة حرفتهن، ونقلن العدوى إلى

شخص واحد في كل يوم، كان عدد الذين يصابون منهم في كل عام مليونا و640

ألف رجل.

فلماذا لا تكنس شوارع مصر كما تكنس باريس من هذه العاهرات، ولماذا لا

تعزل النساء الوطنيات، ولا تطرد من البلاد النساء الأجنبيات المريضات؟

بل لماذا لا تطهر شوارع المدن والحواضر من هذه المستودعات المخزونة

فيها الأمراض والأوصاب، وفساد العائلات، والأجساد، والسلالة.

سؤال أردده في نفسي، ولا أجد عليه جوابا، ولكني أعرف أن آلافا من

النفوس تضيع الآن ضحية الإهمال، وليس من يزع الشر أو يرد المصيبة.

***

(جناية أوربا على نفسها وعلى العالم)

أهدي إلينا هذا الكتاب أو القصة منذ أشهر، فاستكبرنا الاسم، وما بعده من

الوصف وهو: (كتاب صحي عصري أدبي اجتماعي عمومي نسائي روائي)

وفهمنا من كلمة (روائي) أنه يبين فيه ما في هذه القصص، التي تسمى روايات

من الجناية على الآداب، كما فهمنا من كل كلمة قبلها نحو ذلك، وعزمنا على

مطالعة الكتاب قبل الكتابة عنه، فإذا هو قصة وضعية في بيان ضرر استعمال

المشد الحديدي، الذي يضغط به النساء أحشاءهن. وقد أحسن واضع القصة أحمد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٦٨