تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تخفى عليه خافية، وبعد ذلك رأى في الوجود شيئا يخالف ما وضعه له المعلم من

القواعد، فصاح قائلا: الطبيعة أخطأت، النظام اختل، الكون فسد لأنه خالف قواعد

أستاذي. وما دري أن عقله في الحقيقة هو الذي اختل وفسد، فكذلك شأن هؤلاء

القوم. القرآن ينبوع الفصاحة والبلاغة وحجة اللغة الناهضة، وهو أساس ما وضع

من القواعد النحوية بعده، فلا يليق أن نلزمه بالجري عليها، وأن نجعلها أصلا له

ونحكم بخطئه إذا هو خالفها، بل الواجب إذا لم ينطبق شيء منه على بعضها؛ أن

تعلم أنها معيبة أو أنها غير وافية بالغرض في بعض المسائل؛ لعدم إحكام وضعها

هذا إذا لم يمكنا التطبيق. وما من لغة إلا وفى أشهر كتبها القديمة وأبلغها ما

يخالف ما وضع من القواعد فيما بعد، حتى يضطر الواضعون إلى استثنائه أو

تطبيقه عليها بوجه ما، وكذلك فعل علماء اللغة العربية في أمثال هذه الآيات، حتى

أجروها على قواعدهم كما هو مبين في التفاسير، ولا حاجة بنا لنقل ذلك هنا لعدم

أهميته.

فإن قيل: نحن لا نقول: إن هذا الخطأ كان في أصل القرآن، وإنما هو

من نساخ المصاحف في زمن عثمان، قلنا: إن هؤلاء النساخ كانوا من الفصحاء

اللد، فكيف يقعون في هذا الخطأ، ويتفقون عليه في جميع المصاحف التي كتبوها

وأرسلوها إلى الأقطار الإسلامية؛ بحيث لا يوجد مصحف واحد خاليا من الغلط في

هذه الآيات بعينها؟ وكيف تتفق الحفظة في جميع الأزمنة على قراءة هذه الألفاظ

المتنازع فيها كما كتبت في المصاحف؛ مع العلم بأن القراء إنما يتلقون قراءتهم

عمن قبلهم بقطع النظر عن مرسوم الخط وعما وضع من القواعد النحوية، وقد

توارثوا هذه القراءات بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل وجود

مصاحف عثمان، كما بينا ذلك فيما سبق؟ ومن علم عناية المسلمين بالتجويد وضبط

القراءات وأحكام نطق اللهجات المختلفة، وأنهم لا يأخذون ذلك من الكتب بل

بسماع من أتقنها ممن تقدمهم، علم فساد أمثال تلك الانتقادات الباردة وسقوطها.

وصفوة المقال أن القرآن وصل إلينا بدون تحريف حرف واحد منه أو تبديله

فهو مكتوب اليوم كما كتبه الصحابة أنفسهم، مقروء كما قرأه النبي صلى الله عليه

وسلم، ولا نعرف كتابا آخر في الدنيا بلغت العناية به من أهله مبلغها بالقرآن، فإن

الكتب الأخرى التي نعرفها، لا يخلو كتاب منها من الوصمات الآتية كلها أو بعضها

(1) أنها لم تكتب في زمن الآتي بها أو لم يعرف باليقين من هو. (2) لم تحفظ

في الصدور لا من العامة ولا من الخاصة. (3) لم تكن نسخها كثيرة، وفي

أغلب الأزمنة القديمة لم تكن في أيدي العامة. (4) رواها الآحاد، واختلفت

روايتهم. (5) فقدت وانقطع سندها؛ إما بسبب الارتداد العام من أصحابها،

أو بسبب الاضطهادات الشديدة، وقصد الأعداء إبادتها وإحراقها. (6) وجد أمثالها

معارضا لها، وكثير منها لا يرجح عليها بزيادة في قوة إسناده. (7) وجود بعض

فقرات فيها تدل على بطلان النسبة إلى من نسب إليه الكتاب. (8) مملوءة بخلط

النساخ. (9) مملوءة بالتناقض والزيادة والنقصان والتبديل. (10) وجود

اختلافات بين نسخها قديما وحديثا. (11) اختلاف الطوائف في قبول بعضها أو

رفضه، بل اختلاف الطائفة الواحدة في قبول بعض الكتب أو ترجمتها في

بعض الأزمنة ورفضها في الأخرى. (12) وجود ما يقطع بعدم صحته فيها،

والغلطات التاريخية والعلمية وغيرها، واشتمالها على ما ينافي الآداب ويفسد

الأخلاق. (13) وجود كثير من اللغو فيها وما لا فائدة فيه، وما يناقض

البراهين العقلية القطعية. (14) وجودها منذ أزمنة بعيدة وخلو أهلها إذ ذاك من

العلم والتحقيق والتمحيص. (15) مناداة مخالفيهم في الأعصر الأولى بأنهم

يحرفون كتبهم ويبدلونها ويغيرونها، كما جاهر بذلك (سكسوس) الفيلسوف الشهير.

فهذه خمسة عشر وجها مما تنتقد به تلك الكتب، وجميعها يتنزه عنها القرآن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٩