إلى أن كثرت الأعاجم واختلطت بالعرب، ففشا فيهم اللحن حتى اضطروا إلى
ضبطه، فكان أول من وضع عليه الضبط أبو الأسود الدؤلي في أوائل حكم بني
أمية، وكان ضبطه أن يضع نقطة فوق الحرف إن كان مفتوحا، وتحته إن كان
مكسورا، وبجانبه إن كان مضموما، واستمرت الحال على ذلك إلى زمن الخليل
ابن أحمد النحوي المشهور، فوضع للمصحف شكلا آخر، كان أساسا للشكل الحالي
الذي جرى عليه المتأخرون، وكانت وفاة الخليل هذا سنة 170 للهجرة.
أخذت طرق كتابة المصاحف تتحسن شيئا فشيئا إلى أن اخترعت
المطابع، فطبع أول مصحف في مدينة همبورغ بألمانيا سنة 1694 للميلاد، أي
في أوائل القرن الثاني عشر الهجري، وبعد ذلك انتشرت المصاحف المطبوعة في
العالم، وحلت محل المنسوخة باليد، وقد أخذوا الآن يرسمونها بواسطة المصورات
الشمسية (الآلات الفتوغرافية) ، وهكذا حفظ الله تعالى كتابه حتى وصل إلينا بدون
تحريف ولا تبديل. وكان المصحف في جميع هذه الأطوار المختلفة التي وصفناها لك
مهيمنا عليه بآلاف الألوف من الحفظة في جميع البقاع الإسلامية، ولا تزال الحال
كذلك إلى عصرنا هذا مع ضعف المسلمين وتأخرهم. ومن عجيب عناية الله بهذا
الكتاب المجيد أن قيض لنا اليوم في مصر؛ من يحثنا من غير أهل ديننا ومن غير
جنسنا على تعميم الكتاتيب في جميع الأقاليم، من بعد أن ظننا أن زمن الحفظة
انقضى أو كاد ينقضي من بيننا، فأجيب دعاء الداعي إلى ذلك، وانتشرت الكتاتيب
في البلاد، وكثرت الحفاظ مرة أخرى، وتجدد عندنا ألوف من الأطفال يحفظونه
كله في صدورهم فضلا عن الرجال والشيوخ.
نظرنا في هذا الكتاب المتواتر عن صاحبه نظرة، فأيقنا بسببه بدون نظر
إلى أي شيء سواه من صدقه عليه السلام في دعواه، وأنه مبلغ عن الله (راجع
مقالنا الدين في نظر العقل الصحيح) ، ثم وجدنا فيه أن الله يقول: {إنا نحن نزلنا
الذكر وإنا له لحافظون} (الحجر: 9) فعلمنا أن كل رواية يفهم منها أن القرآن
ضاع منه شيء لابد أن تكون موضوعة مدسوسة، وإن لم يتضح هذا الأمر من
سندها؛ لأنها تنافي ذلك القول المتواتر عن النبي الصادق. على أن جميع هذه
الروايات منقولة عن الآحاد، وقد اتضح كذب كثير من رواتها وهي أيضا معارضة
بأمثالها؛ كالذي روي عن ابن عباس رضي الله عنه في صحيح البخاري أنه قال:
(ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ما بين الدفتين) وناهيك بابن عباس ثقة
في هذا الموضوع، وقد أجمع المحققون من المسلمين أن القرآن لا يثبت إلا
بالتواتر، فما زعم الآحاد أنه كان قرآنا وضاع أو نسخ لا يقبل منهم (راجع مقالتنا
في الناسخ والمنسوخ) ، فقد وجد بين الرواة من هو ضعيف الفهم أو سخيف الرأي
أو كذوب يريد تشكيك المسلمين في دينهم، أو يريد أن يؤيد دعوى أو مذهبا له
بأمثال هذه الروايات، ولكن العقلاء لا يقبلونها لئلا يؤديهم ذلك إلى رفض المتواتر،
فيكونوا ممن يرجح الدلالة الظنية على الدلالة المقطوع بها، ومن كان كذلك
كان من الأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنهم
يحسنون صنعا.
بقي علي نقطة واحدة في هذا الموضوع، لا بد لي من الكلام عليها قبل
الانتهاء منه؛ وهي دعوى بعض الجهلة الغافلين أن في القرآن لحنا، ويذكرون من
ذلك قوله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن
بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (المائدة:
69) ، وقوله: {لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك
وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة} (النساء: 162) ؛ لأن
مقتضى الظاهر نصب (الصابئين) ورفع (المقيمين الصلاة) طبقا لقواعد النحو
المعروفة، وما مثلهم في هذه الدعوى إلا كمثل تلميذ في مكتب سمع من أستاذه بعض
نظريات يفسر بها ظواهر وجودية طبيعية، فظن أنه عرف كل شيء، وأن أستاذه لا