تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مصيب، ولعمري إنه ينبغي لمن يرى رأيا يخالف ما درجت عليه أمته، أن لا

يتعجل العمل به، بل يبحث، ويستشير، ويناظر من يعلم، أو يظن أنهم أهل

للبحث في ذلك، لعله يرجع عن رأيه أو يمضي فيه على بينه تامة، ولا يعتد في

هذا المقام بتجربة الواحد والآحاد.

نقول في الصلاة ما قلنا في الدين بجملته، إن لها طرفا أدنى وطرفا أعلى، ومن

فوائد حمل الناشئ المميز على الصلاة: تعويده الطهارة، والوضوء، ومنها

توليد الشعور الإجمالي بالعبادة في قلبه، وهذا شيء عرفناه بنفسنا، ورأينا أثره في

غيرنا ممن تربوا تربية دينية، فلا يصح لمن لم يذقه أن ينكره، ومنها تعويده

المحافظة على المكتوبات في أوقاتها، فإن كل عمل يؤدى بنظام في أوقات معينة،

يحتاج فيه إلى التعويد في الصغر، فقلما يحافظ الإنسان على عمل منتظم لم يتعوده،

وإن هو اعتقد نفعه في الكبر. فأنا اعتقد أن الرياضة البدنية من الضروريات لذي

الأعمال العقلية مثلي، واستحث عزيمتي للارتياض كل يوم، فلا تواتيني إلا في

بعض الأيام، وإنني أعاتب نفسي منذ سنين على هذا الإهمال والتقصير، ولو لم

أكن مواظبا على الصلاة من الصغر، لما بعد أن أترك بعض أوقاتها تكاسلا أو تأولا.

ومن فوائد المواظبة على الصلاة قبل البلوغ، أن المواظب عليها لا يقع بعد

البلوغ في مهلكة الشبان، التي يعبر عنها كتاب العصر بالعادة المضرة، وناهيك

بشرورها ومضارها، وإذا هو اجترحها لا يفرط فيها، فإن لم يتركها لأنها محرمة،

امتنع من الإسراف فيها؛ استثقالا لتكرار الغسل، وهذا ضرب من ضروب

نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر، والناس عنه غافلون.

تعليم الدين

في المدارس المصرية

بحث قوم في تعلم الدين بمدارس الحكومة، فمنهم من قال بوجوب الزيادة فيه،

ومنهم من قال: إن ما فيها كاف، ومنهم من قال: إنه لا ينبغي أن يعلم الدين في

المدارس، وإنما موضع تعليمه البيوت، وهم يعلمون أن تعليم البيوت منوط بالنساء،

وأن النساء المصريات لسن على شيء من علم الدين، ولا من علم الدنيا الذي يؤخذ

بالتلقين , وقد رددت الجرائد هذه الأقوال، ولم أر فيما قرأته فيها بيانا صحيحا لما

يجب أن يكون عليه هذا التعليم في هذه المدارس، ولا في غيرها. وقد طلبت

الجمعية العمومية من الحكومة التوسع في تعليم الدين بمدارسها، فقررت نظارة

المعارف زيادة دروسه في المدارس الابتدائية، فانتقدت ذلك الجرائد التي لا يرضيها

من الحكومة شيء ولم تبين ما هو الصواب. وعندنا أنه يجب أن يكون معظم هذه

الدروس في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم في سيرة الخلفاء الراشدين إن

اتسع لها الوقت، وإلا كانت عبثا.

وقد وجد القبط فرصة في هذه الأيام لطلب كان قد سبق لهم فلم يجب، فطلبوه

فأجيب الآن، وهو أن تعلم الديانة النصرانية في هذه المدارس أيضا وقد عدت إجابتهم

إلى هذا الطلب غريبة؛ إذ لا يعهد تعليم دينين في مدارس حكومة من حكومات

الأرض، بل لا تسمح حكومة أوربية أن يعلم في مدارسها مذهب من مذاهب الديانة

المشتركة بين أهل المملكة، غير مذهب الحكومة، أعني أن حكومة إنكلترا التي

تدين بمذهب البروتستانت، لا تسمح لرعيتها من الكاثوليك أن يعلموا مذهبهم في

مدارسها.

وجم المسلمون لهذا العمل وكثر كلامهم فيه، ولو خاضت الجرائد فيه لكان هو

الشغل الشاغل للقطر كله، ولكنها سكتت لما نعلم ويعلم سائر العقلاء العارفين بالمأزق

الذي وضعت فيه نفسها. وقد سألني كثير من المتفكرين عن رأيي في ذلك، وكان

منهم بعض المدرسين في المدارس والأزهر، فقلت ما حاصله: إن للمسألة وجها

دينيا، ووجها سياسيا، فهي من الوجه الديني نافعة للمسلمين؛ لأن التعليم الديني

في المدارس كان نائما فهي توقظه، أو كان ميتا فهي تنفخ فيه شيئا من روح الحياة.

وأما من الجهة السياسية فهي ضارة بهم؛ لأنها من أمارات كون الحكومة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٥٢