فهو يقضي بوجوب جعل الحكام أجراء للأمة، قال أبو العلاء فيلسوف الشعراء:
مل المقام، فكم أعاشر أمة ... حكمت بغير كتابها أمراؤها
ظلموا الرعية، واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها، وهم أجراؤها
كذلك شأن أكثر الأجراء والوكلاء مع المالكين الجاهلين بما يجب أن يكون عليه
ملكهم، العاجزين عن تحديد أجور العمال وإلزام كل عامل أن يلزم حده؛ لذلك
أنحى الفيلسوف في شعره باللائمة على الأمة التي مكنت أجراءها من الاستبداد في
السيادة عليها، حتى تجاوزوا مصالحها، ينبهها بذلك إلى إقامة الشريعة فيهم،
وإرجاعهم إلى الكتاب العزيز الذي جعل أمر المؤمنين شورى بينهم.
ذلك حكم الشريعة والعقل، ولن تقدر الأمة على القيام به، إلا بتغيير الأفكار
التي كان من أثرها الطبيعي، أن صار الأجراء سادة مالكين، وتحصيل الأفكار
والعلوم والأخلاق التي تمكنها بالاتحاد من جعل المتغلب بقوته مختارا لعدله
وفضيلته.
إذا أحسن الحاكم المتغلب في عمله، واقتصد فيما يتناول من مال الأمة جزاء
عليه، كان جديرا بالجاه الصحيح، وهو ملك القلوب وقيادتها بالمحبة والتعظيم،
وبما يتبعه من الحمد والثناء، وإذا أساء عملا وأسرف فيما يأخذ يفوته الجاه الصحيح،
ويستبدل به الجاه الباطل، وهو قهر الرعية على أن تعامله معاملة الحاكم العادل
من الثناء والتعظيم الصوري مكابرة للنفس وعصيانا للقلب، في سبيل طاعته
الإلزامية. أما الحاكم المختار للأمة، فهي التي تفرض له برضاها أجره، وتملكه
قلوبها طائعة مختارة.
روى ابن سعد في الطبقات عن حميد بن هلال قال: لما ولي أبو بكر قال
أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - افرضوا لخليفة رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - ما يعينه، قالوا: نعم، برداه (ثوباه) إن أخلقهما وضعهما، وأخذ
مثلهما، وظهره (أي ما يركبه) إذا سافر، ونفقته على أهله كما كان ينفق على
أهله قبل أن يستخلف، قال أبو بكر: رضيت. وفي رواية أنه أراد أن يعمل في
التجارة طرفا من النهار لأجل عياله، وينظر في أمور الناس في سائر الأوقات
فمنعوه، وقال عمر: نفرض لك، فأراد أن يتمنع فأقنعوه، وفرضوا له كواحد من
المهاجرين، لا أرقاهم ولا أدناهم، وكذلك كان ينفق قبل الخلافة.
هكذا كانت حكومة المسلمين في أول عهدها، كانت من القسم الثاني من
التقسيم المتقدم، فعرض عليها من عوارض الاجتماع ما حولها عن وضعها،
وجعلها من القسم الآخر. وكم من حكومة كانت ظالمة بالتغلب، فزحزحتها طبيعة
الاجتماع عن مكانها، ووضعتها تحت سيطرة الأمة، كحكومات الفرنجة في بلادها.
لم تكن حكومة الشورى في المسلمين أثرا لارتقاء اجتماعي فيهم، ولذلك لم يطل
عليها العهد، وإنما كانت ائتمارا بأمر الدين وعملا بهدايته، وقد تغلبت العصبيات في
الأمة قبل أن يستقر هذا النوع من الحكومة، ويلقي بوانيه (أي يثبت ويقيم) بهدي
الدين، ويصير طبيعيا في الأمة.
للحكومات آجال مقدرة بقدر أحوال المحكومين لها الاجتماعية، ولمدبر الكون
فيها سنن لا تتبدل ولا تتحول، فما قصر أجل حكومة الشورى في المسلمين،
إلا لأن ذلك المجموع المؤلف من جميع الشعوب والأجناس لم يكن مستعدا لأن يكون
مسيطرا على حاكميه لقلة معارفه الاجتماعية، ولانتفاء الوحدة التي تجعل الأمة
كرجل واحد.
وإنما يستفيد الناس من الدين والدنيا في كل زمان بقدر استعدادهم، ولو كانوا
شعبا واحد في قطر واحد، لرجي لهم طول هذا الأجل، كما طال أجل حكومة
الرومان، ثم قضي عليها بالتوسع في العمران، ودخول الشعوب الكثيرة تحت
سلطانها.
إذا أراد الله بأمة أن تنهض إلى جعل حكومتها تحت سيطرتها، كما يجب أن
تكون، سهل لها من أسباب العلم الصحيح والتربية القويمة، ما ينير أذهانها،
ويجمع كلمتها حتى تكون أمة عاقلة حكيمة (والعاقل لا يظلم لا سيما إذا كان أمة) كما
قال الحكيم السيد جمال الدين الأفغاني.