كانت عجوزا شوهاء أو بحائل اه.
ونقل محشيه ابن عابدين عن القنية أن الخلوة بالأجنبية مكروهة كراهة
تحريم. وعن أبي يوسف ليست بتحريم ... إلى أن قال: إن الخلوة المحرمة تنتفي
بالحائل وبوجود محرم أو امرأة ثقة قادرة. وهل تنتفي أيضا بوجود رجل آخر
أجنبي؟ لم أره اه. قلت: ذكر بعض المالكية أنها تنتفي بذلك.
ثم قال المؤلف بعد هذه النقول:
وكل من اطلع على الكتب التاريخية يعلم أن التبرقع ليس من مخترعات
الإسلام (يعني أهله) فقد كانت نساء اليونان يستعملن البرقع إذا خرجن من بيوتهن
كما هو الآن عند المسلمات وعند غيرهن من النساء الشرقيات في الشام ومصر.
ولا يخفى أن نساء قبائل البربر وغالب عرب البادية لا يسترن وجوههن عن الأجانب
ومع ذلك فهن لسن بخارجات بهذه العادة عن دائرة الدين الإسلامي.
وقال بعض الحكماء: قد يجر التشديد في الحجاب الزائد على أصل الشرع إلى
فساد صحة المرأة؛ إذ بإلزامها القعود في مسكنها دائما تحرم من منافع الهواء والشمس
وسائر أنواع الرياضة الجسمية والعقلية، ولذلك كان معظم نساء المدن عليلا ضعيفا،
ومتى ولدت إحداهن مرة تضعضعت بنيتها وبدت كأنها عجوز وهي في ريعان
الشباب، ولا يمكن أن تنتج أبناء أقوياء تقوم بتربيتهم كما ينبغي إذا كانت مضطرة
إلى البطالة ممنوعة من جميع الحركات المفيدة في نموها بدنا وحجى، بخلاف نساء
البوادي فإنهن لما كن يتعاطين الأعمال الشاقة من الاحتطاب والسقي وتنقية المزارع
والحصاد وجمع الزيتون وما أشبه ذلك - صرن في الغالب أصح أجساد وأصفى لونا
من المدنيات.
ولم يشدد في الاحتجاب إلا السادة الشافعية وأفتى غيرهم من المتأخرين
بقولهم، وعللوا ذلك بفساد الزمان. ولذلك قال عدة من متأخري الفقهاء الحنفية: حل
النظر إلى وجه المرأة مقيد بعدم الشهوة وإلا فحرام. وهذا في زمانهم وأما في زماننا
فيمنع النظر إلى وجه الشابة ولو من غير شهوة لا لأنه عورة بل لخوف الفتنة) .
(المنار)
إن جمهور الشافعية القدماء على أن النظر إلى الوجه والكفين غير محرم
لأنه ليس بعورة اتفاقا. قال الرملي في نهايته هذا القول الذي ضعفه النووي ونسبه
الإمام للجمهور، والشيخان للأكثرين وقال في المهمات أنه الصواب.
واستدل لتصحيح النووي التحريم باتفاق المسلمين على منع النساء أن يخرجن
سافرات وبمظنة الفتنة. وما ادعوه من الاتفاق غير صحيح وإنما هو من فعل
الأمراء في المدن خاصة، ولا حجة فيه فيبقى مظنة الفتنة وقد أفتى بعض الشافعية
بحرمة النظر إلى وجه الأمرد لهذه العلة، وهو ما صححه النووي في المنهاج وكل
ذلك اجتهاد من المتأخرين، وقد خالف كثير من الفقهاء المتأخرين أقوال من قبلهم بعلة
فساد الزمان، ولعلهم لا يعرفون حقيقة الفرق بين زمانهم وزمان أولئك السابقين. فقد
عهدنا أهل كل زمان يذمون زمانهم. والمؤلف لم يحفل بهذا الاجتهاد فقد قال بعد ما
تقدم:
(والحاصل أنه يحرم على الرجل نظره إلى حرة أجنبية مشتهاة ما عدا الوجه
والكفين) ثم بين وجه هذا الاستثناء تبيينا وقد سلك نحو هذا المسلك في النقل
والاختيار في سائر المسائل التي تقدمت الإشارة إليها فنحمد الله على وجود مثله في
تلك البلاد.
***
(بلوغ الأرب. في مآثر الشيخ الذهب)
كتاب في جزئين للشيخ أحمد جمال الدين التونسي أحد مدرسي الطبقة العليا في
جامع الزيتونة بتونس. والشيخ الذهب شيخه في الطريق. والكتاب محشو
بالخرافات والدجل فيسوءنا ويحزننا والله أن يكون منسوبا إلى أحد مدرسي الطبقة
العليا في تلك المدرسة الدينية التي تلي الأزهر في الشهرة، وأن نرى عليه تقاريظ
اشهر علماء تلك البلاد ومنهم من نجله عن تقرير الخرافات والثناء على كتاب هي
فيه وعلى مؤلفه ويغلب على ظننا أن من علماء الإسلام في تونس من يقرظ الكتاب من
غير أن يطلع عليه اطلاعا يكفي للحكم عليه اكتفاء ببيان مؤلفه لموضوعه وعملا