تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السامع والمتعلم في حيرة؟ أم نترك ذكر المعنى القديم ونقتصر على الحديث؟

ووصف هذا بالإفساد في لغة المتقدمين واضح لا يحتاج إلى بيان، وخير منه أن

نذكر لفظ ترام مثلا بعد الاتفاق على لفظها، ونذكر بجانبها معناها وأنها مما عرب

للدلالة عليه، ونبين تاريخ تعريبها فيكون ما وضعه المتقدمون معروفا وحده، وما

ألحقه باللغة المتأخرون معروفا وحده، وهذه هي المحافظة الحقيقية على ما ورثناه

من سلفنا.

وأما أن يغتر مغتر بكثرة ألفاظ اللغة حتى لا نحتاج إلى مزيد، ففيه

غلطتان كبريان، فإن الثروة المزعومة لا نقول بها؛ لأنا إن طرحنا منها المترادف

ما وجد معنا بعد ذلك أكثر من الثلث لهذا العدد، فكثيرا ما تجد المعنى الواحد له

اسمان فأكثر إلى خمسمائة اسم؛ كما قالوا في السيف والخمر والهر والعسل

وما شاكل ذلك، وهذه ليست بثروة.

والثروة التي أسلم بها إنما هي في أسماء المعاني، وليست داخلة في

موضوع بحثنا وأما عدم الحاجة إلى مزيد فهذا لا تدعيه لغة من لغات الأمم الحية؛

لأن الأمم كلما كثرت حاجاتها وتجددت اضطرت إلى المزيد من الألفاظ في اللغة،

وهذا هو سر الحركة الدائمة في لغات الإفرنج، ترون مجامعهم في شغل دائم لا

يأنفون أن يجدوا يوما ما في لغتهم كلمة زائدة دلت على معنى جديد، وأكثر أحوالهم

الاستعارة من غير لغتهم، وإذا كنا نرى عقولنا قد وقفت عن الاختراع، فإنا نرى

أنفسنا في حاجة إلى استعمال المخترعات والتعبير عنها.

نرى رجال الجرائد وهم الذين يرجع إليهم معظم الأمر في الإحياء والإماتة

للألفاظ، قد عرض عليهم في بعض الأوقات كثير من الألفاظ، فهجروه واستمروا

على استعمال ما وضعه الواضعون في جرائدهم، فلا يزالون يستعملون تلفون مع

إنه قد ترجم لهم بكلمة (مسرة) ولم أرها في جريدة من الجرائد يوما واحدا

ويستعملون أتومبيل ولا يستعملون سيارة؛ لئلا يختلط عليهم الأمران السيارات

السماوية والسيارات الأرضية إلى كثير مما يماثل ذلك، وهذا اعتراف منهم أو على

الأقل شعور بأن طريقة الترجمة والتوسع ضررها أكثر من نفعها وأن طريق

التعريب أوضح مسلكا.

***

النتيجة

بعد أن بينت لحضراتكم ما قام في نفسي على لزوم السير في طريق التعريب

أقدم لحضراتكم مقترحي حتى تتناولوه بالبحث ليتمحص الحق.

(1) تكوين مجمع يعهد إليه التعريب، ينتظم ممن حيت فيه ملكة اللغة

العربية ومهر في معرفة مفرداتها ولهجاتها، وإنما لزم وجود المجمع؛ لأنه لا

ضرر علينا وعلى لغتنا أشد من استبداد الفرد بالوضع أو التعريب؛ إذ هو مدعاة

للاختلاف وهو أضر شيء.

(2) أن يكون اختصاصه محصورا في دائرة أسماء الأجناس والأعلام،

فإذا جاءه مسمى حديث أو رأى شيئا حديثا مما هو موجود بيننا، ولم يسبق أن

وضع له لفظ، ورأى أن في اللغة لفظا دالا عليه بنفسه أطلقه عليه وإلا عرب

الكلمة الأعجمية وصيرها موافقة لأوزان العرب، سهلة على ألسنتهم، واتفق على

حروفها وشكل كتابتها وأخرجها للناس بواسطة الجرائد التي هي الحاكمة حكم رجال

عكاظ في العصر الأول، وهي الواسطة في التعليم والإظهار، والواسطة الثانية

رجال التعليم الذين إليهم ينظر من عنده أمل في تحسين اللغة وإصلاحها وخصوصا

معلمي العربية منهم.

(3) أن يكون للمجمع سجل تقيد فيه هذه الكلمات وإزاءها مسمياتها

موضحة تمام التوضيح، وأحسن ذلك ما كان بالرسم وتشكيل المسمى، ويكتب

أمامها التاريخ الذي وضعت فيه، وإذا كتب قاموس من القواميس تكتب هذه الألفاظ

بصفتها ملحقات للكلمات العربية ويكتب معها تاريخ تعريبها؛ لكي يبقى الأصل

محفوظا على حدة والمعرب وحده على حدة.

هذا ما أمكنني أن أورده لحضراتكم أيها السادة في هذا الأمر العظيم؛ راجيا أن

تنظروا إليه بعين عنايتكم حتى تخلصونا من شر نحن فيه، وأنا وأنتم محسون به،

ولا تجعلونا في هذا الدور من أدوار الحياة كالغريق يلتمس ما يخلصه ولا يجده. هذا،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٧٣