تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإن ذلك مما فرغ منه العلماء وانتهى بهم البحث إلى الرأي الثاني، حتى إن كثيرا

من أصحاب الرأي الأول قالوا: إن المراد بما وضع أولا هو الكلمات التي تدل

على مثل السماء والأرض والهواء مما هو موجود منذ وجد الإنسان، أما ادعاء أن

الألفاظ الدالة على المخترعات والمحدثات مما علمه الإنسان الأول آدم صلوات الله

عليه فهو مكابرة للمحسوس.

ومتى ثبت أنها تتجدد بتجدد الحاجة، فالمحتاج من المتمسكين بها متى علم

أصولها ولهجتها له حق التعريب بالضرورة كما كان هذا الحق لسلفه.

ولا أدري ما الفرق بين من علم اللغة تلقينا من أبيه وأمه وبين من علمها من

معلم غيرهما، واعتمدها بعد ذلك في كلامه وكتابته حتى صارت له ملكة يمكنه أن

يقف ساعة، فيخطب بها من غير أن يحيد عن طريقها، ويكتب كتابا صحيحا ويقرأ

في ساعات أو أيام.

إن إخواني الذين يخالفونني في الرأي ويقولون بالتوسع في استعمال المفردات

لا ينجون من تغير الأوضاع والدلالات العربية، فهم لا شك يتفقون معي في أن حق

التغيير للحاجة ثابت لنا، ومتى اتفقنا على نيل هذا الحق لم يبق إلا التخير بين

سهل وأسهل ومفيد وتام الإفادة، ولا مراء في أن اللفظ الذي وضعه واضعه للدلالة

على شيء اخترعه أسهل في الدلالة وأتم في الإفادة؛ لأنه وضع بإزائه تماما كما

وضع لفظ الإبريق بإزاء تلك الأداة التي نعرفها بخلاف الكلمة التي نتصيدها من

موات اللغة، فإنها إما أن تكون موضوعة لشيء هو أعم فنخصصها، ويلزمنا إيجاد

القرينة للدلالة على ما نريد، فتحتاج إلى لفظ وقرينة. وإما أن تكون مستعملة في

شيء فيه مجرد مشابهة كما بين الاتومبيل والسيارة، فنحتاج لاستعمال لفظ واحد

للدلالة على معنيين أو معان كثيرة، فالسيارة استعملت للدلالة على معنى هو القافلة

أو الركب، فإذا قلت: جاءت سيارة، هل يفهمني المخاطب بمجرد لفظي؟ أظن لا، بل لا بد مع ذلك من كلمة أخرى مبينة للمراد.

لا أدري ما المانع من أن يدخل في اللغة الترام، ويقال أترم ومترم كما قالوا

لجام وألجم وملجم. إن الكلمة التي تريد اصطيادها قد وضعها واضعها بالضرورة؛

لتدل على معنى خاص، فإذا نحن أخذناها واستعملناها في شيء جديد لم نكن قد

جرينا على لغة العرب؛ لأننا خالفنا أوضاعهم ومقاصدهم، فهم وضعوا بشكى

وجمزى مثلا للناقة السريعة، فإذا جعلنا كلمة منهما بإزاء الترام نكون بلا شك

وضعنا وضعا جديدا لم يسبقنا إليه سابق، واجتلاب مثل هذه الألفاظ بالنسبة

لمحفوظ اللغة كوضع ألفاظ جديدة مؤلفة من أحرف اللغة، فسيان في الاعتراض

على رأيهم أن نقول للترام بشكى وأن نقول له ترام؛ لأن كلا استبداد بوضع اسم

لمسمى لم يكن له وجود قبل الآن. إلا أن وجه الضرر في الأول ظاهر كما يتضح

وجه المنفعة في الثاني، فإنا في الأول نجري على خطة لا أساس لها مع وصف

الخروج عن أوضاع المتقدمين. وفي الثاني نجري على خطة اتبعها سلفنا مع

الوضاحة التامة في الاسم والمسمى، ولا أدري بعد ذلك ما الذي يدعونا إلى تعسف

الطرق.

لعلهم يرون في ذلك رأيا، فيقولون: إنا باتباع الطريق الأول حافظنا على ما

بين دفتي القواميس، فلم نحد عنه قيد شبر ولم نخرج عما نطق به العرب في

بواديهم، وفي ذلك من احترام الآباء وإقناع الناس بغنى اللغة العربية وثروتها حتى

لا يهزأ بنا هازئ فيقول: إن لغة تربو عدة كلماتها على الثمانين ألفا محتاجة إلى ما

يكملها ويسد ثلمة فيها.

أما دعوى أن هذا محافظة على ما هو عندنا فغير صحيحة؛ لأنها إنما

تكون بالمحافظة على الاسم والمسمى الذي وضع اللفظ بإزائه، وإذا لم نفعل ذلك

كنا قد خيلنا على الناس تخيلا لا قيمة له، وارتكبنا في التغيير من أوضاع القواميس

ما لا يخفى، لأنا إذا كتبنا لفظا من هذه الألفاظ التي اخترنا التوسع فيها واستعمالها

لشيء جديد، أنذكر في قواميسنا معنييها القديم والحديث، فنكون ابتدعنا وأوقعنا

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٧٢