فالطريق الأول عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أي عبد الله بن عمرو
ابن العاص فهو جده. وهذا الطريق فيه مقال مشهور للمحدثين لم يمنع بعض
المتأخرين من الاحتجاج به وهو تساهل منهم. وأما المتقدمون فقد قال في
الميزان: قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أهل الحديث إذا شاءوا
احتجوا بعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإذا شاءوا تركوه. يعني لترددهم
في شأنه، وقال عبد الملك الميموني سمعت أحمد بن حنبل يقول: (عمرو بن
شعيب عن أبيه عن جده له أشياء مناكير، وإنما نكتب حديثه لنعتبر به فأما أن
يكون حجة فلا) ، وقال أبو عبيد الآجري قيل لأبي داود: عن عمرو بن شعيب
عن أبيه عن جده حجة؟ قال: لا، ولا نصف حجة. وقال ابن أبي شيبة:
سألت ابن المديني عن عمرو بن شعيب فقال: ما روى عنه أيوب وابن جريج
فذلك كله صحيح، وما روى عمرو عن أبيه عن جده فإنما هو كتاب وجده فهو
ضعيف. فهذا قد ضعفه لأنه اعتمد على ما رآه مكتوبا وهو لم يروه رواية.
والطريق الثاني عن عبد الله بن المؤمل عن ابن جريج عن عطاء عنه بلفظ
(قيدوا العلم) وعبد الله بن المؤمل قال أحمد: أحاديثه مناكير وقال النسائي
والدارقطني ضعيف. ولا حاجة إلى مراجعة طريق ابن عساكر فقد جزم السيوطي
بضعفها، أما ما رواه عنه ابن عبد البر من قوله (ما يرغبني في الحياة إلا خصلتان)
إلخ ففي سنده ليث عن مجاهد. وليث هذا هو ابن أبي سليم ضعفه يحيى والنسائي
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي قال: ما رأيت يحيى بن سعيد أسوأ
رأيا في أحد منه في ليث ومحمد بن إسحاق، وهمام، لا يستطيع أحد أن يراجعه
فيهم. ذكره في الميزان وذكروا أنه اختلط في آخر عمره.
وأما ما ورد في المنع فأقواه حديث أبي سعيد الخدري المتقدم عن كتاب العلم
لابن عبد البر (لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن فمن كتب عني غير القرآن فليمحه)
وهو في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد، وهو أصح ما ورد في باب النهي عن
كتابة الحديث والسنة. ولا يعارضه حديث (اكتبوا لأبي شاة) وما في معناه من
الأمر على تقدير صحته. ولا يقوم حجة على من يقول: إن النبي صلى الله عليه
وسلم نهى عن كتابة حديثه لأنه لا يريد أن يكون دينا عاما دائما كالقرآن.
ولذلك وجوه:
أحدها: أن ما أمر بكتابته لأبي شاة - وهو خطبته ثاني يوم فتح مكة يحتمل
أن يكون خاصا.
ثانيها: أنه كان مما قال فيه (فليبلغ الشاهد الغائب) كخطبته يوم حجة
الوداع. فلما طلب أبو شاة أن يكتب له ما قاله فهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه
لا يتيسر له هذا التبليغ إلا إذا كتبه، ولعله كان سيئ الحفظ فأمر أن يكتب له كما
طلب.
ثالثها: أن حديث النهي عن الكتابة مقيد بإبقاء المكتوب وفيه الرخصة
الصريحة لمن يكتب مؤفتا أن يمحوه، ويؤيد هذا المعنى ما رواه ابن عبد البر عن
زيد بن ثابت، وابن مسعود، وعلي، في محو المكتوب وما رواه من قول مالك:
(فمن كتب منهم الشيء فإنما كان يكتبه ليحفظه فإذا حفظه محاه) .
وهذا الوجه يصلح جوابا عن حديث الإذن لعبد الله بن عمرو بالكتابة ويؤيده
قول عبد الله: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم
(أريد حفظه) فصرح بأنه كان يكتب ليحفظ. وقد علمت ما قال أئمة الحديث في
رواية حفيده عن النسخة المكتوبة. ويصلح أيضا جوابا عن صحيفة علي وكتاب
عمرو بن حزم.
ولو فرضنا أن بين أحاديث النهي عن الكتابة والإذن بها تعارضا يصح أن
يكون أحدهما ناسخا للآخر لكان لنا أن نستدل على كون المنهي هو المتأخر بأمرين
أحدهما: استدلال من روي عنهم عن الصحابة الامتناع عن الكتابة ومنعها بالنهي
عنها وذلك بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وثانيهما عدم تدوين الصحابة
الحديث ونشره ولو دونوا ونشروا لتواتر ما دونوه.
فعزيمة علي على من عنده كتاب أن يمحوه - وقول أبي سعيد الخدري
(تريدون أن تجعلوها مصاحف) وقول عمر بن الخطاب عند الفكر في كتابة