معي إلى ابن مسعود فيها وقد زالت الشمس أو كادت تزول، فجلسنا بالباب ثم قال
للجارية: انظري من بالباب، فقالت: علقمة والأسود، فقال: ائذني لهما؛ فدخلنا
فقال: كأنكما قد أطلتما الجلوس، قلنا: أجل، قال: فما منعكما أن تستأذنا، قالا:
خشينا أن تكون نائما، قال: ما أحب أن تظناني هذا إن هذه ساعة كنا نقيسها
بصلاة الليل، فقلنا هذه صحيفة فيها حديث حسن، قال: هاتها يا جارية هاتي
الطست، واسكبي فيه ماء؛ فجعل يمحوها بيده ويقول: {نحن نقص عليك أحسن
القصص} (يوسف: 3) قلنا: انظر فيها فإن فيها حديثا عجيبا. فجعل يمحوها
ويقول: إن هذه القلوب أوعية فاشغلوها بالقرآن ولا تشغلوها بغيره، قال أبو عبيد (
أحد رواة هذه القصة) يرى أن هذه الصحيفة أخذت من أهل الكتاب، فلذا كره عبد
الله رحمه الله النظر فيها.
وقال مسروق لعلقمة: اكتب لي النظائر، قال: أما علمت أن الكتاب يكره،
قال: بلى، أريد أن أحفظها ثم أحرقها. وعن القاسم أنه كان لا يكتب الحديث. وعن
ابن شبرمة [8] قال: سمعت الشعبي يقول: ما كتبت سوادا في بياض قط ولا استعدت
حديثا من إنسان مرتين. وعن إسحاق بن إسماعيل الطالقاني [9] قال: قلت لجرير-
يعني ابن عبد الحميد - أكان منصور - يعني ابن المعتمر - يكره كتاب الحديث،
قال: نعم منصور ومنيرة والأعمش كانوا يكرهون كتاب الحديث، وعن الوليد
بن مسلم قال: سمعت الأوزاعي يقول: كان هذا العلم شيئا شريفا؛ إذ كان من أفواه
الرجال يتلاقونه ويتذاكرونه فلما صار في الكتب ذهب نوره، وصار إلى غير أهله
وعن الفضيل بن عمرو [10] قال: قلت لإبراهيم: إني آتيك وقد جمعت المسائل؛
فإذا رأيتك كأنما تختلس مني، وأنت تكره الكتاب، قال: لا عليك فإنه قلما طلب
إنسان علما إلا آتاه الله منه ما يكفيه، وقلما كتب رجل كتابا إلا إتكل عليه.
قال أبو عمر: من كره كتاب العلم إنما كرهه لوجهين: أحدهما: أن لا يتخذ
مع القرآن كتاب يضاهي به، ولئلا يتكل الكاتب على ما يكتب فلا يحفظ فيقل
الحفظ. كما قال الخليل [11] :
ليس بعلم ما حوى القمطر ... ما العلم إلا ما حواه الصدر
وأنشدني بعض شيوخي لمحمد بن بشير بإسناد لا أحفظه:
أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع
ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل هو العالم المقنع
ولكن نفسي إلى كل فن ... من العلم تسمعه تنزع
فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع
ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع
إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
أأحضر بالجهل في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع
وقال أبو العتاهية [12] :
من منع الحفظ وعى ... من ضيع العلم وهم
وقال أعرابي: حرف في تامورك خير من عشر في كتبك. وقال أبو عمر:
التامور: علقة القلب.
وسمع يونس بن حبيب رجلا ينشد:
استودع العلم قرطاسا فضيعه ... وبئس مستودع العلم القراطيس
فقال يونس: قاتله الله ما أشد صيانته للعلم وصيانته للحفظ، إن عملك من
روحك، وإن مالك من بدنك، فصن علمك صيانتك روحك، وصن مالك صيانتك
بدنك.
قال أبو عمر: من ذكرنا قوله في هذا الباب فإنما ذهب في ذلك مذهب العرب
لأنهم كانوا مطبوعين على الحفظ مخصوصين بذلك. والذين كرهوا الكتاب كابن
عباس والشعبي وابن شهاب والنخعي وقتادة ومن ذهب مذهبهم وجبل جبلتهم
كانوا قد طبعوا على الحفظ فكان أحدهم يجتزي بالسمعة، ألا ترى ما جاء عن ابن
شهاب أنه كان يقول: (إني لأمر بالبقيع فأسد آذاني مخافة أن يدخل فيها شيء من
الخنا، فوالله ما دخل أذني شيء قط فنسيته) وجاء عن الشعبي نحوه وهؤلاء
كلهم عرب وقال صلى الله عليه وسلم: (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) ،
وهذا مشهور أن العرب قد خصت بالحفظ، كان بعضهم يحفظ أشعار بعض في
سمعة واحدة، وقد جاء عن ابن عباس أنه حفظ قصيدة عمر بن أبي ربيعة (أمن
آل نعم أنت غاد فمبكر) في سمعة واحدة فيما ذكروا، وليس أحد اليوم على هذا