من علم الزهري. اه من تذكرة الحفاظ.
وجاء في ترجمته فيها أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يملي على
بعض ولده شيئا فأملى عليه أربعمائة حديث، ثم لقي هشاما بعد شهرا أو نحوه فقال
الزهري: إن ذلك الكتاب ضاع فدعا بكتاب فأملاها عليه ثم قابل بالكتاب الأول فما
غادر حرفا واحدا.
(قال) ومن حفظ الزهري أنه حفظ القرآن في ثمانين ليلة.
وفي هذا دليل على أن كتابة الحديث كانت شائعة في عصره، أي أواخر القرن
الأول وأوائل الثاني، فقد ولد الزهري سنة خمسين للهجرة وتوفي سنة أربع وعشرين
ومائة، ولا تنس ما كتبناه آنفا عن خالد بن معدان.
وقال الحافظ في ترجمة عمرو بن دينار: إنه كان يحدث على المعنى ويقول: لا
أتحرج على من يكتب عني. وهو قد ولد ست وأربعين.
ومن أراد تتبع تراجمهم في كتب المحدثين يجد من هذه المسائل شيئا كثيرا وما
رأينا أحدا وفى البحث في تدوين الصحابة والتابعين للحديث حقه، مثل الحافظ أبي
عمر يوسف بن عبد البر، وإننا ننقل ما كتبه في ذلك برمته ثم نستدرك عليه ما رواه
غيره أو شايعه على ما رواه ثم نبين رأينا فيه.
قال في جامع بيان العلم (نقلا عن مختصره) .
باب ذكر كراهية كتاب العلم
وتخليده في الصحف
عن أبي سعيد الخدري [1] رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: (لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني شيئا سوى القرآن فليمحه)
ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث، وأمر إنسانا أن يكتبه فقال له
زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئا من حديثه، فمحاه.
وعن عبد الله بن يسار قال: سمعت عليا يخطب يقول: أعزم على كل من عنده
كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حين تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب
ربهم. وعن أبي نضرة [2] قال: قلت لأبي سعيد الخدري: ألا نكتب ما نسمع
منك؟ قال: تريدون أن تجعلوها مصاحف! إن نبيكم صلى الله عليه وسلم كان
يحدثنا فنحفظ فاحفظوا كما كنا نحفظ. وعن ابن وهب قال: سمعت مالكا يحدث أن
عمر بن الخطاب [3] أراد أن يكتب هذه الأحاديث أو كتبها ثم قال: لا كتاب مع
كتاب الله. قال مالك لم يكن مع ابن شهاب كتاب إلا كتاب فيه نسب قومه. قال:
ولم يكن القوم يكتبون؛ إنما كانوا يحفظون فمن كتب منهم الشيء فإنما كان يكتبه
ليحفظه؛ فإذا حفظه محاه. وعن عروة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنن
فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله
فيها شهرا ثم أصبح يوما وقد عزم الله له. فقال: إنني كنت أريد أن أكتب السنن
وأنني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإنني والله لا
أشوب (وفي نسخة لا أنسي) كتاب الله بشيء أبدا. وعن ابن عباس أنه قال: إنا لا
نكتب العلم ولا نكتبه، وعن الشعبي [4] أن مروان دعا زيد بن ثابت وقوما يكتبون
وهو لا يدري فأعلموه، فقال: أتدرون لعل كل شيء حدثكم به ليس كما حدثكم. وعن
ابن سيرين [5] قال: إنما ضلت بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن آبائهم.
وعن الأسود بن هلال [6] قال: (أتى عبد الله بن مسعود بصحيفة فيها حديث
فدعا بماء فمحاها ثم غسلها ثم أمر بها فأحرقت، ثم قال: أذكر الله رجلا يعلمها عند
أحد إلا أعلمني به، والله لو أعلم أنها بدير هند لبلغتها؛ بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم
حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون) . وعن الضحاك قال:
(يأتي على الناس زمان يكثر فيه الأحاديث حتى يبقى المصحف بغباره لا ينظر فيه) .
وعن ابن عباس أنه كان ينهى عن كتابة العلم، وقال: إنما ضل من قبلكم بالكتب،
وعن أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير [7] قال: (كنا نختلف في أشياء فنكتبها في
كتاب ثم أتيت بها ابن عمر أسأله عنها خفيا فلو علم بها لكانت الفيصل بيني وبينه،
وعن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه قال: أصبت أنا وعلقمة صحيفة فانطلق