تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقتضي وجوبه واستحالة مقابله وبذلك ينتفي الاختيار، وأجابوا عنه بأن الإرادة لا

تتعلق إلا بفعل الممكن لذاته، وما كان ممكنا لذاته إذا صار واجبا بتعلق الإرادة به،

كان وجوبه عين الاختيار؛ إذ لا معنى لاختيار الباري تعالى إلا كون ما يصدر

بقدرته من الأفعال له؛ إنما يصدر بتخصيص إرادته لذلك الفعل على ما يقابله من

الممكنات، فالاختيار عند المحققين لازم للإرادة لزوما عقليا، وبعضهم يجعلهما

بمعنى واحد، وغاية ما فرق به المدققون بينهما هو أن المختار ينظر إلى الشيء

وإلى مقابله، ويرجح أحد المتقابلين أو المتقابلات على غيره، والمريد ينظر إلى

الشيء الذي يريده فيحرك القدرة إلى فعله، يعني أن كلا من الإرادة والاختيار يفيد

التخصيص والترجيح. ولكن الفاعل للشيء يسمى مريدا له باعتبار القصد المجرد،

ويسمى مختارا باعتبار ملاحظة شيء آخر غير ما قصد إلى فعله، كان يمكن أن

يكون بدلا منه لولا الترجيح والتخصيص.

وأظهر من هذا أن يقال: الاختيار عبارة عن كونه تعالى غير مكره ولا

مجبور على ما أراد وما يريد؛ لأنه ليس فوقه سلطان بشيء ما، فتكون إرادته

تابعة لإرادته، فإرادته مستقلة بالتخصيص بحسب علمه. أما نحن البشر فإننا قد

نعلم أن المصلحة في فعل كذا وأن مقابله مفسدة، ونحب أن نفعل ما هو المصلحة،

ولكننا قد نخصص ونرجح المفسدة بإكراه من هو أقوى منا سلطانا، فلا تكون

إرادتنا مستقلة بالتخصيص، ولا نحن مختارين في العمل، وقوله: إن فهم

الإرادة والاختيار بهذا المعنى يستلزم الترجيح بلا مرجح - مصادرة، فإن الإرادة إذا

لم تكن هي المرجحة لزم في الوجود الترجيح بلا مرجح، لا إذا كانت هي المرجحة

يلزم ذلك كما يقول.

نعم، إن ما يتخصص بالإرادة يكون على حسب الداعي وهو العلم، والعلم

ليس ملزما بالفعل (ونريد به ما يعم الكف والترك) لأنه عبارة عن انكشاف

المعلوم، فتوجه نفس الفاعل إلى فعل بعض المعلومات دون بعض معنى آخر

يسمى إرادة ومشيئة، ومن أثبت الإرادة المستقلة يكون مثبتا للاختيار. وإرادة العالم

الفعل تكون عند الفعل حتما، وقد تكون قبله بمعنى أن نفسه تكون متوجهة إلى فعل

كذا في زمن كذا من المستقبل؛ ولذلك قالوا: إن للإرادة تعلقا قديما أزليا وتعلقا

حادثا، وما ذكره الدكتور صدقي في الهامش من كون الإرادة ليس لها إلا تعلق قديم

غير صحيح؛ لأنه يلزم منه أن يكون تعالى غير مريد للشيء عند إيجاده بالفعل

وهو بديهي البطلان؛ على أنه هو قد صرح باستمرار الإرادة الإزلية، والمراد منه

ومن التعلق الحادث واحد.

لكن ما يتبادر إلى الفهم من مجموع كلامه في هذا المقام مخالف لما هو مقرر

في العقائد، ومن يتأمل فيه يتنسم منه أنه بما قرره من أزلية الإرادة وعدم إمكان

شيء غير ما قضت به في الأزل، حاول أن ينفي ما يعبر عنه القدرية بقولهم:

الأمر أنف (بضم الهمزة والنون) أي أن الله لم يقدر الأمور ولم يعلمها أزلا،

وإنما يأتنفها علما حال وقوعها. والقائلون بهذا هم غلاة القدرية المتقدمون، ويقرب

من عقيدتهم ما يفهمه كثير من العوام من معنى الاختيار؛ قياسا على اختيارهم

الذي يكون بعد تردد وبعد مخالفة لقصد سابق.

ومن مقاصد القدرية في مذهبهم نفي الظلم عن الباري عز وجل، وهو ما

قصده الدكتور صدقي بنقيض مذهبهم، ولكنه على موافقته لأهل السنة في الإرادة

الأزلية من جهة قد خالفهم من جهة أخرى، فجعل الإرادة منافيه للاختيار. وعلى

موافقته لهم في نفي الاعتراض على الباري بالظلم خالفهم في طريق الاستدلال،

فوقع في شر مما هرب منه؛ إذ جاء بما يوهم جواز وقوع الظلم الحقيقي مع

الاعتذار عنه بكون علته أزلية، وكل ذلك عدم تحرير العبارة فيما أظن.

وجملة القول: إن جميع الممكنات التي نعرفها وفي حكمها مثلها مما لم نعرفه

من الموجودات، صادرة عن الوجود الواجب الأزلي، أو قل: عن واجب الوجود

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣١٤