تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويغلب على أكثر أفراده الهزل واللهو واللعب في زمن يزاحمه فيه أهل الجد والعمل

من الشعوب الأخرى على بلاده وينازعونه جميع مقومات حياته، فلولا هذان الخلقان

لما قدر على كل ما عمل. ولكننا لا ننكر مع هذا أن استغراق جميع الأوقات في

الجد والتزام الرصانة في جميع الأحوال من المبالغة المنتقدة في الفضيلة ولكن لا

يقبل انتقادها إلا ممن يصرف أكثر أوقاته في الجد ويفرغ أقلها للأهل والصحب

يفاكههم ويمازحهم وينبسط إليهم في الحديث، وقد كان النبي صلى الله عليه

وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا.

(الاقتصاد والوفاء) اشتهر فقيدنا المبكي بأعين الفضلاء بالمبالغة في

الاقتصاد حتى كان بعض الناس يظن فيه البخل والتقتير وهو لم يكن بخيلا ولا مقترا

في النفقة؛ بل كان في الإنفاق على ما أمر الله تعالى في قوله: {لينفق ذو سعة من

سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} (الطلاق: 7) كان يكتب لبيته

ميزانية السنة قبل دخولها، فيجعل الخرج غير مستغرق للدخل كله ويحصي كل أنواع

النفقات ويضيف إليها مبلغا احتياطيا ثم يؤدي كل شيء في وقته، فكان يدفع اشتراكات

الصحف العربية والإفرنجية في أواخر شهر ديسمبر من كل سنة واشتراك الجمعية

الخيرية في غرة المحرم، فيأخذ أول وصل من وصولات التحصيل وأجور الخدم في

أول يوم من كل شهر وثمن كل شيء يشتريه في وقته. ولولا هذا الاقتصاد لما قدر

على الوفاء الكامل في المعاملة بأداء كل حق قي وقته ولا على الاستغناء عن

الاقتراض والاستدانة بالربا.

نعم، إن اقتصاده المبني على قواعد العلم الحديث والتزامه النظام فيه ومن كل

عمل كان يستلزم مخالفة أهل البلاد في بعض الأمور مخالفة يستنكرونها

فيسمونها بغير اسمها. فمن ذلك أنه كان إذا دعا إلى طعامه نفرا من أصحابه وزاره

عند وقت الطعام أو قبيله صاحب آخر فإنه لا يدعوه معهم، بل كان بعض أصدقائه

ربما يتعمد أن يقول: بلغني أن فلانا وفلانا سيأكلان العشاء عندك وأحب أن أكون

معهم ليجيبه بحريته المعهودة: إنه ليس لك كرسي على المائدة في هذه الليلة.

وذلك أنه رحمه الله تعالى كان يهيئ الطعام على قدر حاجة الآكلين المعلومين بلا

تقتير ولا تبذير. وكيف يوصف بالتقتير من كان خدمه يأكلون من جميع ما يأكل

منه أهل البيت وضيوفهم من الألوان والحلوى حتى الفاكهة في الشتاء.

وبلغ من اقتصاده في مال الجمعية الخيرية أنه كان لا يرمي ورقة مكتوبة من

الأوراق التي لم تبق من حاجة إليها إلا بعد أن يقص منها ما عدا المكتوب إن كان

ينتفع به بإمكان كتابة شيء عليه. ووقع لي معه دقيقة من هذه الدقائق أذكرها مثالا،

وهي أنني جئت مرة قصر عابدين أبغي لقاء الأمير، وكان هو رئيس التشريفات

فأرسلت إليه بطاقة الزيارة للاستئذان، ولما هممت بالخروج من حجرته قال لي: خذ

هذه البطاقة - وكانت لا تزال في يده - فإنها أدت وظيفتها الآن ويمكن أن تؤديها

مرة أخرى. فقلت له: ذكرتني هذه الدقة في الاقتصاد كلمة للإمام الغزالي وهي أن

الميزان الذي لا يرجح بالحبة لا يرجح بالقنطار لأن القنطار مؤلف من الحب، فإذا

ألقي في الميزان حبة بعد حبة لم يكن الرجحان إلا بحبة، فأعجبه هذا القول وكان

يتمثل به.

ومن الناس من يهزأ بهذه الدقائق ويعدها من الصغائر التي لا تنبغي لأهل

النفوس العالية. وهذا خطأ وجهل يزينه لصاحبه الإسراف والخرق واعتياد الخلل

والحرمان من النظام فإن الكاتب (الخطاط) الذي لا يعنى بكل حرف من الكلمة لا

يكون مجموع خطه كامل الحسن، والبناء الذي لا يعنى بضبط كل حجر ينحته لا

يكون بناؤه رصينا محكما، والمصور الذي لا يدقق في إحكام تصوير كل عضو لا

تأتي صوره مطابقة لما صوره، وهكذا يضيع المال الكثير في غير فائدة بسبب من

يفرط حفظ القليل بوضعه في غير موضعه.

إن كثيرا من المسرفين الذين يسميهم الحمقى أسخياء وأجوادا يمطلون أصحاب

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٠٣