في العمل بالرأي قبل أن يتحول عنه وقد يكون قويا. وكان رحمه الله لا يشكو من
شيء شكواه من التقلب والتحول في الناس، فقد اقترحت عليه غير مرة مشروعات
نافعة للأمة مما يكون بالاجتماع والتعاون وكان يجيبني في كل مرة: إنك حسن الظن
في الأمة أكثر مما يجب لأنك لما تختبرها. وقال لي مرة أو غير مرة ما معناه: إننا
إذا دعونا إلى هذا العمل نجد المجيبين إليه كثيرين في أول الأمر ثم يتسللون لواذا
حتى لا يبقى منهم من يمكن أن يستمر به العمل.
(الصبر والاحتمال) كان على نحافة بدنه آية في الصبر على العمل واحتمال
المشقة، لا يمل ولا يسأم. ولولا الصبر والاحتمال ما كان ثبات ولا استقامة. كان
في كل عمل دخل فيه يعمل ما لا يعمله عدة رجال حتى كان يمل ويتململ كل من
يشتغل معه - لا سيما إذا كان هو رئيسه - ولكنه لا يستطيع أن يشكو من كثرة
العمل مع من يراه يعمل أضعاف عمله، وقد كان يشتغل أخيرا في أربع إدارات
كبيرة في كل يوم فيعجب كل عمالها من صبره وجلده، وهي إدارة القصر العالي
وإدارة تركة الأمير محمد إبراهيم وإدارة الجمعية الخيرية ومدارسها وإدارة الشركة
الإنكليزية المصرية، هذا وهو غير مهمل لإدارة منزله بل مقيم لها على أكمل
نظام.
(النظام والإتقان) كان عاشقا للنظام كلفا بإتقان كل أمر يشتغل به، فكان كل
عمله مرتبا منظما متقنا حتى قال فيه سعد باشا زغلول: إنه خلق منظما بالطبع. ومن
يخطر بباله أن صاحب تلك الأعمال الكثيرة كان يشغل ساعات من ليله ونهاره
ويشغل معه فيها بعض أصحابه في البحث عن صحة كلمة أو عبارة فيما يطبعه
لمدارس الجمعية الخيرية أو لشركة إحياء العلوم العربية؟ خطر له أن يطبع أجزاء
القرآن الكريم لأجل التعليم في مدارس الجمعية بحسب قواعد الرسم لا برسم
المصحف المتبع عن الصحابة عليهم الرضوان، فبدأ أولا بالبحث عن جواز ذلك
واستفتى فيه الأستاذ الإمام فأفتى ووجد نصا عن الإمام مالك بجوازه في مصاحف
التعليم، ثم كان يستنسخ الأجزاء ويبحث بنفسه مع أهل العلم في الكلم الذي يشتبه
رسمه بكلمة (الضحى) تكتب ألفها بصورة الياء أم ملساء؟ والكلمات التي في آخرها
ياء تحذف في قراءة حفص لأجل الوقف. فكنا نسهر معه الليالي ذوات العدد نتباحث
في هذه الكلمات. ثم ناط ضبط ذلك كله وتصحيح الأصل بالشيخ حسين والي مؤلف
كتاب الإملاء ليطبقه على قواعد الرسم بعد مراجعة كتب القراءات لكي لا يخرج
الرسم عن أداء المتواتر منها ثم إنه كان يراجع بنفسه كل ما يصححه الشيخ حسين.
وقد عزم منذ أكثر من سنتين على طبع كتاب (العمدة في الأدب) لابن رشيق
بنفقة جمعية إحياء العلوم العربية، فلما أرسلت إليه المطبعة الأميرية نموذج الملزمة
الأولى بعد تصحيح مصححيها لها ومراجعتها مقابلة على النسخ - قرأها فتوقف في
فهم بعض عباراتها والأحاديث وأبيات من الشعر فيها فراجع كاتب هذه السطور في
ذلك في مكتب المنار. وغير مرة كنا نراجع فيه الأحاديث في كتبها والأشعار في
مظانها من كتب الأدب واشترى هو ديوان حسان بن ثابت (رضي الله عنه) لأن
فيها شيئا من شعره وراجع أيضا غير واحد من أصحابه أهل العلم والأدب.
وبعد هذا كله لم يأذن بالطبع لأنه بقي في الملزمة عبارة غامضة يرجح أنها
محرفة! وطفق يسأل ويبحث عن نسخة أخرى من العمدة ليجلبها أو يستنسخها من
القطر الذي يعلم أنها فيه. وأبى عليه خلق الإتقان وأمانة العلم أن يطبعها وهو يعتقد
أن فيها تحريفا فتبارك من أنعم عليه بهذه الأخلاق، ويا ليت الذين يتجرون بطبع
الكتب الدينية والعلمية وغيرها يعنون بعض هذه العناية بالضبط والإتقان.
(الجد والرصانة) كنا نرى كثيرا من الناس ينتقدون منه رصانته وجده في
كل وقت وحال، وتجنبه الهزل والدعابة وتحاميه المزاح والمفاكهة في الحديث إلا
قليلا وهذا هو الواجب على من يريد أن يخدم شعبا يعتقد أنه يكثر فيه الطيش والخفة