والزمان فيه حكمهما. ومن هؤلاء من هو مسلم جنسية فقط، يرى أن الدين عقبة
يزيلها العلم. ومنهم من يؤمن بالله ورسوله وكتابه، ويرى أن الدين قد اصطبغ بغير
الصبغة التي أنزلها الله - تعالى - وأن العلم العصري ينزعه من سلطان
المحافظين على الصيغة الحادثة ويساعد على إعادته إلى أصله، فإذا قام مصلح
ديني يمكنه أن يهدي المتعلمين للعلوم العصرية إلى حقيقية الإسلام، ولا يمكنه أن
يهدي غيرهم من علماء الصبغة الحديثة للدين والمقلدين لهم وهم جماهير العوام، إلا
أن يتعلموا على الطريقة الحديثة.
ونحن نقول: إنه يمكن الجمع ابتداء بين حقيقة الإسلام وصبغته الإلهية،
وبين جميع العلوم والفنون والأعمال التي عليها مدار المدنية العصرية، وإن إصلاح
المسلمين بغير هذه الطريقة متعذر. ونحن مستعدون بعون الله - تعالى- وتوفيقه
لمناظرة كل من يخالفنا في هذا الرأي.
وجملة القول: إن المسلمين لا يجارون غيرهم من الأمم في ميدان المدنية
والعمران إلا إذا أطلقوا من القيود السياسية والدينية التي قيدت استعدادهم الفطري.
وليس في نصوص كتاب الله المنزل، ولا في سنة رسوله المتبعة القطعية، شيء من
هذه القيود الدينية، بل فيهما الإطلاق المكمل للفطرة. وإنما القيود قسمان: بدع
محدثة، وتقاليد مستنبطة من أقوال البشر وقواعدهم، تعرف بالأحكام الاجتهادية.
فإذا حظر المؤتمر على نفسه البحث في القيود السياسية، انحصر عمله في
القيود الدينية؛ أي: التقاليد والبدع التي فشت في المسلمين باسم الدين، إلا أن يكون
غرض أهله الرقي الدنيوي بدون دين.
وإذا انحصر عمله في حل القيود الدينية دون السياسية؛ خشية أن تقاوم
المسلمين حكومات أوربا المستعمرة لبلادهم، فيجب أن لا يدخل في أعضائه أحد
من المشتغلين بالسياسة لتأييد ملك أو أمير؛ لأن ذلك يجعل المؤتمر في موضع
الريبة والظنة عند تلك الحكومات؛ ولذلك صرح الشيخ على يوسف صاحب جريدة
المؤيد على مسمع من نحو خمسين رجلا ممن دعوا للبحث في المؤتمر بأن من
مصلحة المشروع أن يخرج هو وحافظ أفندي عوض أحد صاحبي جريدة المنبر،
ونفر آخرون من لجنة المؤتمر، فلا يكونوا من الأعضاء العاملين فيه.
ثم إنه ينبغي أن تكون القاعدة الأساسية الأولى للإصلاح الديني في المؤتمر
هي المحافظة على المجمع عليه من المسلمين، لا سيما ما كان منه معلوما من الدين
بالضرورة، وذلك هو القرآن وما استفيد منه بالنص القطعي، وبعض السنن المتبعة
ونعني بالسنة معناها اللغوي الذي كان يفهمه الصحابة، ومنه ما هو فرض أو
واجب؛ ككون الصلوات المفروضة خمسا، ركعات كل صلاة منها كذا، يقرأ فيها
كذا، ويركع في كل ركعة مرة، ويسجد مرتين. ومنها ما هو مندوب في اصطلاح
الفقهاء كما هو معروف.
ذلك أن المؤتمر عام لجميع المسلمين، وفيهم السني السلفي وغير السلفي،
والشيعي والإباضي، ومن السنية الحنفي والمالكي ... إلخ، ومن الشيعة الجعفري
والزيدي، فالذي يجمع بين هؤلاء ويوحد كلمتهم؛ هو كتاب الله والسنن العملية
المتواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتلقي عن آله وأصحابه - رضي الله
عنهم -، وبذلك يكون المؤتمر غير مقيد بالتقاليد الاجتهادية التي تثير النزاع،
وتفرق الكلمة، فلا يمنع أعضاءه مانع من الاعتصام بحبل الله، ودعوة سائر
المسلمين إلى الاعتصام به. (راجع التفسير من هذا الجزء وما قبله) .
ثم يعرض ما يقرره من الإصلاح الاجتماعي الموافق للإجماع على شعوب
المسلمين، مبينا لهم أن من عمل به لم يكن عمله منافيا لأصل الإسلام الذي لا خلاف
فيه، فمن اكتفى بذلك وعمل به فبها ونعمت، ومن حاول تطبيقه على
المسائل الاجتهادية في مذهبه وتقيد بها فهو وشأنه.
بهذه الطريقة يفيد المؤتمر المسلمين أكبر فائدة دينية، بما يعلمهم من الأصول
المتفق عليها بين المسلمين، التي بها يكون المسلم مسلما أخا في الدين لثلاث مائة