تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهم مقيدون فكرا وإرادة؛ إما بالتقاليد الدينية، وإما بالسياسية الاستبدادية. فعمل

المؤتمر محصور بالطبع في فك القيود التي تقيد المسلمين، حتى يكونوا أحرارا

مستقلين، فإذا حظر أهله على أنفسهم البحث فيما هو سياسي منها، بقي لهم ما هو

ديني فقط، ومنه ما يتعلق بحكامهم ومنه ما لا يتعلق بهم.

مثال ذلك الشركات المالية التي هي أعظم أركان الثروة في هذا العصر، ولا

أذكر فيها مسألة فرضية، بل مسألة واقعة هي في تاريخ مصر الحديث أصل

الانقلاب السياسي والعمراني، ولا أفتات على المسلمين فيما أقوله فيها افتياتا، أو

أستنبط خلافهم فيها استنباطا، وإنما أروي فيها رواية تنبئ عما عليه المسلمون

من القيود التي تمنعهم من مجاراة غيرهم في تحصيل الثروة التي هي أساس

العمران.

زرت وزير مصر الأكبر رياض باشا، فألفيت في حضرته جماعة من أكابر

المسلمين؛ منهم العالم الأزهري، والمهندس، والمؤرخ، والطبيب، ومن كان

ناظرا لبعض المدارس العليا، وكل واحد منهم يعد من أكبر رجال طبقته وأعلمهم،

وهم يتذاكرون في مسألة شركة ترعة السويس، وأن شراء أسهمها غير جائز شرعا

لأن عملها غير مشروع. وكان أشدهم عارضة في ذلك العلامة الأزهري (طبعا)

ولا أحب أن أذكر شيئا من أدلتهم، المبني بعضها على أن الماء لا يملك وأن أوراق

السهام لا قيمة لها في نفسها ... إلخ، وما عجبت لقول أحد كعجبي من

موافقة واحد منهم لهم في ذلك، أعهد منه الميل إلى كسر مقاطر التقليد، ورأيته في

هذه السنة يسعى في تأسيس بنك أهلي، وهو أشد من أعرف اهتماما بمشروع

المؤتمر الإسلامي. وقد جهرت هنالك باستغراب جعل هذه المسألة موضعا للبحث

وجزمت بجواز عمل الشركة وشراء سهامها، مصرحا بأن أوراق السهام ليست

هي التي تقابل الثمن، وإنما هي مثل أوراق الصكوك والحجج التي تكتب لمن

يشتري عقارا أو يقرض آخر مالا. جهرت بهذا ولكنني لم أسمع من أحد كلمة

موافقة. ولكنني أظن أنه أعجب بعض الحاضرين، ورأيت الوزير هش له.

فإذا كان أرقى مسلمي مصر الذين يعدون الآن في مقدمة شعوب المسلمين علما

وقربا من المدنية، يتباحثون حتى اليوم في أعلى محافلهم الاجتماعية في شركة

ترعة السويس، ويقولون بعدم جواز شراء سهامها، وهي هي السهام التي براها

وراشها أميرهم إسماعيل، وأعطاها لأوربا، فحاربتهم بها واحتلت بلادهم،

وملكت عليهم أمرها، فهل يلام مسلمو مراكش إذا قال عالمهم الكتاني: إن شر عمل

عمله محمد علي باشا هو بناء القناطر الخيرية، وكان ينبغي أن ينفق المال الذي

أضاعه في بنائها على بناء المساجد؟ ؟ كلا، إن علل المسلمين واحدة، ولو كان

محمد علي مقيدا بالتقاليد الدينية، لما أنشأ القناطر الخيرية.

إن شركة ترعة السويس وأمثالها من أمور العمران التي لم تكن معروفة في

عصر التنزيل، فيرد فيها كتاب أو تمضي بها سنة. ولكن الفقهاء المستقدمين، قد

وضعوا أحكاما للشركات وغيرها من المعاملات المتعارف عليها في عصرهم، فجمد

المستأخرون عليها؛ إذ عدوها دينا يجب اتباعه في كل زمان ومكان، فهل يسهل

على المسلمين الذين يريدون مجاراة الأوربيين في الكسب، أن يدرسوا قبل كل

عمل هذه الكتب الفقهية الضيقة الواسعة، ويتقيدوا بها ثم يجروا وراء المطلقين من

القيود، فيلحقوا بهم ويطمعوا في مسابقتهم؟ لا يسهل الجواب عن هذا على فقيه

يعرف الأحكام المدونة في هذه الكتب، ولا يعرف حال العصر في الأعمال المالية

والاجتماعية، ولا على رجل مالي أو متمدن كما يقال لم يقرأ كتب الفقه، وإنما

يسهل على من عرف الأمرين أن يجيب عنه بحق. ولكن جوابه لا يكون إلا سلبا.

أعرف بمصر كثيرا من المسلمين المتمدنين، يرون أنه لا علاج لتأخر

المسلمين عامة إلا نشر العلوم العصرية، ومحاولة تعميمها بقدر الطاقة، وترك

الدين وشأنه، بحيث لا يتعلم ولا يدافع عنه، ولا يعترض عليه، حتى يحكم العلم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٨٣