تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دفعة واحدة، كما أنها لاتتم إلا باكتساب ثقة الأمة ورغبتها في المشروع.

الحاجة إلى مؤتمر إسلامي عام

نرى المسلمين اليوم تنبهوا بعض التنبه في الأقطار الإسلامية كافة. وهب

فضلاؤهم لإنشاء الصحف والجرائد التي لها أثر عظيم في تنبيه الأفكار والإرشاد

إلى الخير والصلاح، ونسمع أن مسلمي بعض البلاد ينشئون جمعيات خيرية

وعلمية. هذه علائم خير تقر بها عين كل ناصح للإنسانية. ولكن لا يجوز لنا ألبتة

أن نجتزئ بهذه العلائم الحسنة، ثم نخلد إلى أرض الدعة والكسل. فالمستقبل

الحسن لمن يدأب ويعمل. لا جرم أن المرء يرى إذا أجال طرفه في الأقطار

الإسلامية، من مدينة قزان الشمالية إلى مصر الجنوبية، ومن مراكش المغربية إلى

جاوا المشرقية - علائم الانحطاط أكثر من علائم الارتقاء.

فقد عادت معظم المدارس مثابة للعاجزين والبطالين. ودثرت الصناعات

الوطنية أو أشرفت على الدثور. أصبح حظنا قليلا من تجارة العالم، ويدنا ضئيلة

في الصرف والشؤون المالية، ونصيبنا عدما في التجارة البحرية. وليس لهذه الأمة

التي ينيف عددها على ثلاث مئة مليون شركة مؤلفة من ثلاثين سفينة، كما أنها لا

تملك مصرفا رأس ماله خمسة ملايين جنيه مثلا.

ليس في أيدينا ما نعيش به غير الأراضي الخصبة التي ورثناها عن آبائنا.

تأتي لنا هذه الأراضي بالقمح والفلفل والبن، والقطن والقز والفواكه وغيرها.

ولكننا نجهل أساليب بيع هذه الغلات بيعا رابحا. ويذهب جزء عظيم من ربح تلك

الحاصلات من أيدينا إلى أيدي التجار الأجانب، وجزء عظيم إلى شركات تسيير

السفن الأجنبية.

ولا تكاد تجد تاجرا مسلما في جميع البلدان الأميركية والأوروبية إلا في النادر

وإذا رأيت هناك تاجرا شرقيا فهو إما أرمني أو بوذي هندي أوصيني. إذا صرفنا

النظر عن التجارة الخارجية، فما بالنا لا نعمل في بلادنا أيضا. هانحن أولاء

نرى معظم التجارات المهمة في البلاد العثمانية والإيرانية ومصر والمغرب

الأقصى والهند بأيدي النزلاء، الذين يتقاطرون إلى البلاد الإسلامية من أقطار العالم المختلفة.

نحن لا نفتأ نقول: أمطرت السماء فشربنا، وأنبتت الأرض فأكلنا، ولكن

ينبغي لنا أن نعرف أننا إذا عشنا على العمل بهذه القضية في الأيام الغابرة، يستحيل

أن نبقى بها فيما نستقبله من الأيام.

إذا فقدت أمة من الأمم استقلالها ووقعت تحت حكم الأجنبي، فإنها تخسر

خسرانا مبينا. بيد أن هذا الخسران لا يقام له وزن - في مذهبي - في جانب

الخسارة التي تخسرها الأمة التي تقاعدت وتواكلت ثم سقطت من مكانتها في ميدان

العمل والاقتصاد.

وما هو السبب في هذه الحالة الأليمة التي وقعت فيها الأمة الإسلامية؟ ليس

لنا أن نقول: إن السبب هو الجهل، ثم نسكت. إذ يرد عليه سؤال آخر وهو: وما

هو سبب الجهل؟

إذا أغضي عن ترقي الأمم الإفرنجية، ألا يجب على كل مسلم ناصح لأمته أن

يسأل: كيف ارتقى الأرمن والروم والكرج والبلغار واليهود والهندوس؛ الذين كانوا

قبل اليوم بنصف قرن يعيشون بيننا، ويشاركوننا في معظم عاداتنا وآدابنا، ونحن

بقينا وراءهم ننظر إليهم بعين الإعجاب؟

حالتنا أيها السادة مما يرثي له. ولكن لا يجوز لنا ألبتة أن نكتمها؛ لأن ذلك

الكتمان هو عين الخطأ، بل هو جناية عظيمة على نفوسنا.

بل يحق لنا أن نجاهر بها في كل ناد ونسعى لتشخيص الداء، حتى نصف له

الدواء، هل من الرأي أن يكتم الإنسان مرضه إذا لم يكن عدو نفسه، وليست مغبة

من يكتم مرضه إلا الهلاك.

إذا كنتم تنتظرون الجواب عن الأسئلة السابقة من الخطيب؛ فهو يبادر إلى

القول بأنه أعجز من أن يجيب على أمثال هذه الأسئلة العظيمة؛ لأنه يبحث عن

الجواب ولا يجده.

أيها السادة: إن استعداد الأمة العربية للمدنية قد ثبت عندنا بتاريخها المتلألئ

اللامع.

ويرشدنا إلى استعداد الأمة التركية للمدنية ما تركه لنا علماؤهم من المؤلفات

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٧٩