تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأخذت الرغبة في التعليم تتولد في كل جهة من الممالك الإسلامية، فأصبحنا نسمع

صدى بعض الأفراد والحكومات للتفكير في شؤون التعليم والمدارس. ولكن ذلك من

سوء الحظ لم يبلغ الخطة المطلوبة، نحن معشر المسلمين منذ ثمانية قرون قد تركنا

لأوربا غنائم مثيرة وخزائن من المعارف، ولم نطالبهم أثناء هذه المدة بردها

إلينا. ولكن قد حان الآن وقت الإعادة، فعلينا أن نستردها منهم استردادا يحمل ما

توفر لديهم حتى الآن من إنمائها. ولا يقال هنا: إن الشرق غريم للغرب؛ إذ لا

يقصد منه إلا الذهب الذي لا يساوي شيئا إذا قيس بالعلوم والمعارف التي هي

حقوق الشرق على الغرب، فغرامة الغرب لنا هي أعظم بكثير من غرامتنا له،

فعلى الدائن أن يطالب المدين.

وليست هذه الكلمات من بنات أفكاري الخاصة، كلا، بل يقولها (فولب)

المتفنن الألماني و (داربر) العالم الأمريكي، وما سأعرضه أيضا مما يثبته تاريخ

التعليم.

لا ينكر اليوم أحد من العقلاء المستنيرين ضرورة التعليم العام للنوع البشري

وخصوصا للأمة الإسلامية؛ فإن ديننا القويم يقضي علينا بتصديق هذا الأمر

وقبوله وإبرامه، ووضعه موضع الإجراء. وفي نظري أن هذا الأمر ليس من قبيل

المسائل حتى يتناقش فيه، بل هو أمر ديني قطعي، فما علينا إلا أن نتناقش في

كيفية إجرائه وإيجاد الطريق القويمة الموصلة إلى هذا المقصد لتعجيله فقط.

ولقد أثبتت تجارب أعظم الأمم المتمدنة في هذا العصر أنه لا يمكن تعميم

التعليم ونشره؛ إلا بوجود كتاب واحد لكل ستين أسرة من الأمة.

وأما طريقة إجراء العمل فتكون بحسب الميزان الآتي:

لو فرضت مملكة من الممالك يسكنها نحو عشرة ملايين نسمة، فمقدار ما

يلزمها من الكتاتيب هكذا: يتعين أن نقسم هذه العشرة الملايين على خمسة (أنفار)

ثم نقسم الحاصل وهو مليونان على ستين، فيبلغ عدد الكتاتيب على هذا الحساب

نحو ثلاثة وثلاثين ألفا، وهذا هو المقدار المعين الكافي لعشرة ملايين نفس.

فلو بلغت مصاريف كل كتاب مع نفقات الأدوات ومرتبات المعلمين نحو 40

جنيها، يكون المجموع 1.330.000 جنيه. فإذا أضفنا إليه مبلغ 200.000

جنيه، وهو ما يلزم للإنفاق على إدارة تلك الكتاتيب وغيرها من مدارس المعلمين،

نحتاج في إيجاد التعليم العام الابتدائي إلى ميزانية قدرها 1.500.000 جنيه.

وهذا لا شك مبلغ جسيم، إلا أنه لا ينبغي أن يروعنا بجسامته؛ لأن الفائدة

التي نستفيدها من هذا المشروع مادية كانت أو معنوية أعظم وأرقى بكثير من ذلك

المبلغ. فما نسبة مبلغ 1.500.000 جنيه لعشرة ملايين نسمة إلا نسبة جزئية

جدا، تقضي بدفع 15 قرشا على كل نفر في السنة، و75 قرشا عن كل أسرة.

وربما يقال هنا: إن طائفة العمال لا يستطيعون دفع ذلك. فنقول: كلا؛

لأننا لو فرضنا أن عاملا يشتغل في السنة 300 يوم، فيكون حاصل قسمة 75 قرشا

عليها مليمين ونصفا فقط، وهو ما يطالب باقتصاده من مكسبه اليومي الذي لو بلغ

خمسة قروش مثلا لا يكلفه إخراج ذلك منه إلا أن يتنازل عن فنجان من القهوة

يتناوله يوميا، وعن سيجارتين على الأكثر.

فبقي علينا أن نبحث في النفقة اللازمة لبنائها، فإذا فرضنا أن كل كتاب على

حدته هو 150 جنيها، تبلغ نفقات 33 ألف كتاب 5 ملايين من الجنيهات. وحينئذ

نقع في مشكلة عظمى أيضا وهي خلو اليد من النقود. فما الحيلة؟ الجواب سهل

وهو أن الأمة مادامت حية فالنقود توجد ألبتة، أو لابد من وجودها.

النقود التي وجدت عند تأسيس الأهرام الجسيمة، لم لا توجد لبناء مدارس؟

وإذا كان يجوز للأمم الحية اقتراض المال لإنشاء السكك الحديدية والبرازخ

والترع، فلماذا لا يجوز اقتراضها لإنشاء المدارس؟

هذا وهناك طريقة أخرى لسهولة إجراء هذا المشروع؛ وهي تجزئة مدة

الاكتتاب إلى عشر سنين؛ لأنه من البديهي أن مثل هذه المشروعات المهمة لاتتم

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٧٨