سوري، أو يخلص له في الصداقة ورأينا أهل الفضل والدين من المصريين يألمون؛
لطروء النزعة الجاهلية على المسلمين.
ولعل المنتقد قد قرأ ما كتبه بعض إخوانه طلاب الحقوق في بعض المجلات
المحدثة من كونهم يطلبون: بيان الدين والدفاع عنه من المصريين.
بل وصل شر العصبية إلى بعض علماء الأزهر الذين يعيشون فيه مع
طوائف المسلمين من جميع الأقطار، حتى قال أحد كبرائهم مرة عندما مدح أمامه
(مسجد الست الشامية) في موقعه ونظافته: نعم. ولكن من الأسف أنهم حشوه
بالشوام: وهو - وإن بناه الشوام، ووقفوه ووقفوا عليه - ليس فيه مستخدم شامي إلا
الخطيب الصالح الذي يقصد المسجد؛ لأجله من الأماكن البعيدة، ممن لم تفسد دينهم
عصبية الجاهلية. أتدري من هو ذلك العالم؟ إنني لا أسميه، وإنما أقول لك: إنه
صديق صاحب جريدة اللواء من علماء الأزهر الذي كان يزوره، كما يزوره هو.
بل ارتقى صاحب جريدة اللواء بهذه العصبية إلى مستوى أسمى، فصرح بأن
أمير البلاد أشار في خطبته يوم خلع على الشربيني خلعة مشيخة الأزهر إلى
وجوب خروج صاحب المنار من مصر؛ لأنه هو الغريب الذي هو غير راض عن
طريقة التعليم في الأزهر.
على أننا لو سلمنا أن اللواء لا يعني بالدخلاء الذين ينفر عنهم، ويبغض
فيهم غير فئة من نصارى السوريين، كما يرى المنتقد الحسن الظن، لما كنا إلا
قائلين بأنه مخطئ خطأ ضارا بالبلاد؛ لأن أول من يخطر بالبال من هذه الفئة
أصحاب المقطم، وهم لم يذهبوا مذهبهم المعروف في السياسة؛ لأجل فائدة سوريا
ومصلحتها، حتى يقال: إنه مذهب سوري، ويذم منتحله بأنه أو لأنه سوري أو
دخيل.
كلا، إنه ما ذهب أحد منهم هذا المذهب؛ لأنه سوري دخيل في البلاد
المصرية، يتعصب عليها وعلى أهلها؛ ليحول مصالحها ومنافعها إلى وطنه، وإنما
قصارى سوء الظن فيهم أن يكونوا يلتمسون بهذا منفعتهم الخاصة، فما معنى
نبزهم بلقب الدخلاء، وجعل ذلك علة لعداوتهم للمصريين؟
أليس من المقرر في علم الأصول، والمعروف عند أرباب الأذواق والعقول
أن ترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق؟ أليس الاسم المنسوب
من قبيل المشتقات، ولذلك يعمل عمل اسم المفعول؟ فبهذا تبين أن ترتيب الطعن
في قوم على كونهم سوريين دخلاء؛ يؤذن بأن كونهم سوريين هو علة ذلك الطعن،
وما ترتب عليه، وحينئذ يكون طعنا في جميع السوريين من حيث هم سوريون،
وهو على كونه خرقا وأفنا في الرأي ضار؛ لأنه تأريث عداوات وضغائن بين أهل
قطرين متجاورين في الأرض، متساوين في اللغة والتابعة العثمانية، متقاربين في
العادات، وأكثر أهلهما مع هذا متفقون في الدين.
إن السوريين المقيمين بمصر وحدهم، لا يستهان بعداوتهم؛ فإنهم أصحاب
قوة مالية تقدر بنحو خمسين مليون جنيه، وقوة أدبية لا تحتاج إلى تعريف. وما من
أحد منهم يعد من أصحاب الرأي، والإشراف على أحوال العصر، إلا وهو يعتقد
بأن خطة جريدة اللواء تضعه من المصريين موضع العدو من عدوه. ومن هؤلاء
من هو مخالف لأصحاب المقطم في الرأي والسياسة، ومنهم من يبغضهم ويطعن
فيهم.
أي قول قال به أصحاب المقطم، وليس في المصريين مسلمهم أو قبطهم من
يقول بمثله، فما بالك بسائر الشعوب التي يوجد منها ألوف تقيم في مصر، ولهم
جرائد تخالف رأي اللواء، كما يخالفه المقطم وهي أشد خلافا، فلماذا لا ينوط ذنبها
في رأيه، بكون أصحابها من جنس كذا، أو من بلاد كذا؟
إن كل أجنبي بمصر , يرى جنسه أشرف من الجنس المصري، وأجل من أن
يخضع لقانونه، وهو يعمل في هذه البلاد لأمته وبلاده وما أصابه من الثروة
ينقلب به إلى أهله. والسوري يرى نفسه شقيقا للمصري، ومساويا له في كل شيء
وقلما يرجع سوري إلى بلاده بما كسب من مال. ولكن كثيرا منهم جاءوا إلى
مصر بأموال عظيمة، لا سيما في هذه السنين الأخيرة.
فلأي شيء يعد اللواء ذنب الواحد منهم عارا عليهم. وما هو الفرق بين السوري