تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحمدلة والتصلية.

(أما بعد سألتني أيها الأخ في الدين: أن أبث إليك غاية العلوم وأسرارها،

وغائلة المذاهب وأغوارها، وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين

اضطراب الفرق مع تباين المذاهب والطرق، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن

حضيض التقليد إلى يفاع الاستبصار، وما استفدته أولا من علم الكلام، وما احتويته

ثانيا من طرق أهل التعليم القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام، وما ازدريته ثالثا

من طرق التفلسف، وما ارتضيته آخرا من طريقة التصوف، وما انجلى لي في

تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم

ببغداد مع كثرة الطلبة، وما دعاني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة، فابتدرت

لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعينا بالله ومتوكلا

عليه، ومستوفقا منه، وملتجئا إليه.

اعلموا أحسن الله إرشادكم، وألان للحق قيادكم، أن اختلاف الخلق في

الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة الفرق، وتباين الطرق،

بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه

الناجي و ﴿كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (المؤمنون: 53) وهو الذي وعدنا به سيد

المرسلين؛ وهو الصادق المصدوق حيث قال: (ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة

الناجية منها واحد) [1] فقد كاد ما وعد أن يكون.

ولم أزل من عنفوان شبابي، وقد أنافت السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا

البحر العميق اقتحام الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة

وأتهجم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة،

وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا

أغادر باطنيا إلا وأحب أن أطلع على بطانته، ولا ظاهريا إلا وأريد أن أعلم حاصل

ظهارته، ولا فلسفيا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته، ولا متكلما إلا وأجتهد في

الاطلاع على غاية كلامه ومجادلته، ولا صوفيا إلا وأحرص على العثور على سر

صفوته، ولا متعبدا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ولا زنديقا معطلا إلا

وأتجسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته، في تعطيله وزندقته.

وقد كان التعطش إلى حقائق الأمور دأبي وديدني، من أول أمري، وريعان

عمري، غريزة وفطرة من الله وضعتا في جبلتي، لا باختياري وحيلتي حتى

انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت على (كذا) العقائد الموروثة، على قرب

عهد بسن الصبا، إذا رأيت صبيان النصارى، لا يكون لهم نشوء إلا على التنصر

وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على النهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا

على الإسلام، وسمعت الحديث المروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

حيث قال: (كل مولود يولد على فطرة الإسلام، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو

يمجسانه) فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية وحقيقة العقائد العارضة

بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها تلقينات، وفي

تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات.

فقلت في نفسي أولا: إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلابد من طلب العلم

بحقائق الأمور، فلابد من طلب حقيقة العلم ما هي، فظهر لي أن العلم اليقيني هو

الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافا لا يبقي معه ريب، ولا يقارنه إمكان الغلط والوهم

ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أن يكون مقارنا لليقين

مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه مثلا من يقلب الحجر ذهبا والحية ثعبانا لم يورث

ذلك شكا وإنكارا، فإني إذا علمت أن العشرة أكثر من الثلاثة، فقال لي قائل:

(لا بل الثلاثة أكثر؛ بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانا) ، وشاهدت ذلك منه، لم

أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه. فأما

الشك فيما علمته فلا.

ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه، ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢١٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢١٠