في أول كتابه المنقذ من الضلال: (ولم أزل منذ راهقت البلوغ قبل بلوغ العشرين
إلى الآن، وقد أنافت السن على الخمسين، أقتحم لجة هذا البحر) ... إلخ ما
سيأتي، وقد علم من كلام معاصره عبد الغافر، ومن كلام غيره من المؤرخين، أنه
تخرج في عهد أستاذه إمام الحرمين في مدة قليلة، وقد توفي إمام الحرمين سنة
478، وكانت سن الغزالي 28 سنة؛ أي: إنه كان متخرجا قبل ذلك.
غرضنا من هذا التحقيق؛ تنبيه طلاب العلم إلى مسألة أرجو انتفاع أذكيائهم
بها، وهي أن طول مدة الاشتغال بالتلقي والتحصيل قلما تأتي بفائدة، بل هي
عنوان البلادة، وخمود الذهن، وخمول النفس، ودليل على فساد التعليم، وأكثر
النابغين من العلماء والحكماء لم يقيموا في معاهد التعليم، والتلقي زمنا طويلا. وقد
قرر هذه الحقيقية الفيلسوف سبنسر وقد كان الأستاذ الإمام بعد سنوات قليلة، يحضر
دروس بعض العلماء في علم، وبيده كتاب في علم آخر، يطالع فيه.
تربية الغزالي لنفسه وتفلسفه وتصوفه
العلوم والفنون في نفسها صناعات وآلات، يستعان بها على إصلاح اللسان
والعمل والنفس والعقل، فمن طلب فنا منها، كان له في طلبه ثلاثة مقاصد:
(أحدها) : أن يعرف الفن بحسب ما قاله الواضعون له، والمصنفون فيه،
اتباعا لهم وتقليدا.
(ثانيها) : أن يعرفه كما عرفه الواضعون بمآخذه ودلائله، بحيث يكون له فيه
رأي وحكم، لا يبالي فيه وافق الواضعين أو خالفهم، وإنما يتحرى فيه ما يراه
صوابا.
(ثالثها) : أن يعرفه؛ ليستعمله فيما وضع له، ويجعله وسيلة للعمل. وهذا
الأخير يجتمع مع كل من الأول والثاني، وقد يوجدان بدونه ويوجد ألوف من
الصنف المعروف عندنا بصنف العلماء، قرؤوا الفنون العربية والشرعية وبعض
العقلية بالقصد الأول، ووجد كثيرون قرؤوها بالقصد الثاني، وما كان المحصلون
لثمراتها من الآخرين فضلا عن الأولين إلا الأقلين، فكم من عالم بمسائل النحو
والبلاغة واسع الاطلاع، لم يصلح لسانه ولا قلمه فهو عاجز عن الإتيان بالكلام
الصحيح، بله البليغ الفصيح. وكم من عالم بأحكام الحلال والحرام، والفضائل
والرذائل، فاسد الأخلاق، مرتكب للمحرمات. وكم من عالم بقوانين المنطق بعجز
عن تحديد حقيقية، وإقامة البرهان على عقيدة. وكم من بارع بصناعة الحجة،
نحرير في علم الكلام، وهو فاسد الاعتقاد، أو منطو على الإلحاد، وإن لنا في
سيرة حجة الإسلام، أكبر حجة على هؤلاء الأقوام.
شرع أبو حامد في طلب العلم على طريقة أهل المقصد الأول؛ أعني
المقلدين، فأرشده رئيس العيارين الذين نهبوه منصرفه من جرجان إلى الطريقة
الثانية؛ طريقة الاستقلال، فلم يلبث أن صار إماما في زمن قصير؛ لأن المستقل
بنظره، يحصل في سنة ما لا يحصله المقلد الذي يأخذ كل ما يلقى إليه بالتسليم في
سنين كثيرة.
وما كل أحد كالغزالي ترشده كلمة يلفظها قاطع الطريق إلى مثل هذه الحقيقة
التي يجهلها أكثر المشتغلين بالعلم. وإنما يسترشد الناس بالحكمة على قدر استعدادهم
وكان استعداد الغزالي في الذروة العليا، وقد يقرأ سيرته هذه بطولها وتفاصيلها
كثيرون من طلاب العلم في الأزهر وغيره، ثم لا يخرجون من ظلمات التقليد إلى
نور الاستقلال لضعف استعدادهم.
لم يرض أبو حامد من العلم بالمقصد الثاني، الذي لا يعلو به صاحبه عن
مرتبة الصناع، بل حاول في كل علم قرأه الوصول إلى غايته، والتحقق بحقيقته،
فكما كان بالعلوم العربية كاتبا بليغا وخطيبا مفوها، وبعلوم الكلام والفقه والخلاف
حجة على الخصم وركنا للمذهب، أراد أن يكون هو في نفسه على يقين من كل ما
يعتقد، وأن يكون عمله ثمرة علمه، فربى نفسه لذلك تربية خاصة، ومثل هذا لا
يأتي بمعرفة المسائل والدلائل فقط، بل لابد فيه من التربية والمجاهدة، وهاك ما
كتبه عن نفسه في ذلك ملخصا من كتابه (المنقذ من الضلال) ، قال بعد البسملة