جديرة بأن يقال فيها: إنها لا تكفي لحاجة العصر الحاضر.
يكلف رجل مقيم في إحدى مدن سيبيريا امرأته الساكنة في أحد بلدان روسيا
المتوسطة بواسطة التلغراف بعد إشهاد محكمة (الناتاريوس) على هذا الكلاف. أو
يبعث رجل في مدينة موسكو بكتاب إلى زوجه في سيبيريا يخبرها فيه بطلاقها بعد
أن حول النقود التي تصرفها المرأة لنفقة العدة على إحدى البنوكة. ففي مثل هذه
النوازل يحار قضاتنا الشرعيون المتوسطون، فلا يكادون يستخرجون فيها حكما ما
من كتب فقهية تنوء ببعير. وأما كبار القضاة - وإن لم تملكهم الحيرة بالمرة - فلا
يعدو فكرهم مباحث (كتاب القاضي) ومبحث (جواز العمل بالخط وعدم جوازه) .
ولا يخفى على البصير أن فصل تلك القضايا بأمثال هذه المباحث أصعب من
خرط القتاد. فتضطر أولئك النساء إلى تزجية الأيام، كالمعلقات شاكيات القضاء
والقدرإلى آخر حياتهن.
(المبحث الثاني) : يقع أحيانا أن جزأ من دعوى واحدة ينظر في مقاطعة
(ياكوتسكي) في أقاصي سيبيريا، وجزأ آخر في بلدة (بلاباي) (في أواسط
روسيا) . تلجأ قضاتنا اليوم عند النظر في أمثال هذه الدعاوي إلى ما في فصول
(كتاب القاضي إلى القاضي) من الأحكام. مع أن أوجه الأقوال في هذه الفصول
(وهو قول أبي يوسف) لا يمكن تطبيقه على ما يجري في هذه البلاد.
هذه المرأة الساكنة في بلاباي مثلا تقضي ثلاثين أو أربعين عاما من حياتها،
وهي تندب حظها. مع أن زوجها لا يزال في قيد الحياة وليس من المفقودين أيضا،
ولا يتسنى لها الاجتماع معه ولو مرة في عمرها. يا ليت مثل هذه المرأة كانت
واحدة أو عشرا فقط. بيد أنهن لسوء الحظ يعددن بمئات في جميع أنحاء البلاد
(الروسية) التي يسكنها المسلمون.
لا يذهبن أحد إلى أني أطعن بكلامي السابق على الكتب الفقهية، وأحط من
قدر مسائل (كتاب القاضي إلى القاضي) ، فإن العمل بما في تلك الفصول كان
موافقا غاية الموافقة للعصور الأولى المخدجة في كل أسباب العمران وشؤون التمدن.
وأما اليوم قد انقلبت الأمور ظهرا لبطن، حتى لو رجع الإمام أبو حنيفة لنحى
الكتب الفقهية التي ألفها تلميذه الإمام محمد عن مستقرها الذي أقرتها فيه متفقهة
الأزمة المتأخرة، ووضع فقها جديدا يلائم روح هذا الزمان لا محالة.
لا يحسن بنا البتة أن نحاول تطبيق الحوادث، وجميع شؤون الناس المتجددة
على القواعد المحصورة بين جلود الكتب الفقهية، بل يجب على كل بصير أن يبذل
غاية جهده في تطبيق تلك القواعد على الحوادث والعادات.
رأينا كثيرا من الجامدين على الكتب الفقهية، كانوا يأبون كل الإباء تصديق خبر
رؤية الهلال الذي يرد إليهم ممن يعرفونه في البريد؛ إذ يجدونه غير مستوف للقيود
المذكور في باب (كتاب القاضي إلى القاضي) المذكور في كتب الفقه المتداولة.
مع أن هؤلاء لم يكونوا يرتابون أدنى ارتياب في كونهم هم أئمة المساجد
أصحاب المنشورات حين يتلقون منشوراتهم التي كانت ترسل إليهم من مراكز
الولايات بمئات من الوسائط - من يد مستخدم روسي في المركز (بمعناه المعروف
بمصر) .
يقضي قضاتنا اليوم في المرأة التي يعجز زوجها عن الإنفاق عليها باستدانتها
على زوجها، ولا يجوزون الفرقة بهذا السبب أبدا.
كان هذا الحكم موافقا في العصور الاولى (وربما يكون موافقا في هذا العصر
أيضا) لمعيشة من يسكنون الكوفة وبغداد، وأمثالهما من البلاد الحارة.
وأما بلادنا التي يحكم فيها البرد الشتوي الزمهريري عدة شهور، فمن المحال
العمل فيها بهذا الحكم؛ لأن المبلغ الذي يكفي في تلك البلاد الحارة لتعيش عشر
نساء، لا يكفي في بلادنا لتعيش نصف امرأة.
ليت شعري: ماذا تجني المرأة من وراء هذا الحكم الذي لا أثر له في الواقع.
لماذا لا يحكم باستدانة زوجها؟ وإذا لم يجد الرجل من يقرضه، فمن أين تجده
المرأة المستضعفة؟ أتظنون المرأة تنصرف من عند القاضي مبتهجة بتحسن حالها