تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والري والشاش (المسمى اليوم طاشكند) وسمرقند ومرغينان ومرو وما إليها من

المدن المعمورة في سالف الأزمان. ولا شك أن مؤلفي تلك الكتب راعوا في وضعها:

عادات تلك العصور، ومناهج معايش أهل تلك البلاد. وبما أننا اليوم نعيش في

عصور غير عصورهم وفي بلاد غير بلادهم، نجد طائفة من القواعد الفقهية

المذكورة في تلك الكتب، يستحيل العمل بها في هذه الأيام في بلادنا؛ ولذلك نرى

القضاة الشرعيين فينا يلجؤون حينا بعد حين إلى الحكم الجزافي. والحكم الجزافي -

وإن كان عظيما عند الله - لا تبدو مضاره الدنيوية في مرة أو مرتين. ولكنه إذا تكرر

عدة مرات، صار قاعدة مطردة في الحكم حتى إن الحكم بخلافه يوقع الحكومة

في ريبة، ويضعف ثقتها بقضائنا وقضاتنا. وما ينشأ عن هذا من المفاسد لا يعلمه إلا

أهل البصر من القضاة والحكام.

وبالجملة: إن كثيرا من القواعد المذكورة في الكتب الفقهية، لا يمكن الأخذ

بها في الأزمنة الحاضرة. وإن كثيرا من الأشياء التي ظهرت في هذه الأيام لا ذكر

لها، ولا إشارة إليها في تلك الكتب. فلهذه الأسباب نرى القضاء الشرعي فينا

يتقلص ظله يوما فيوما، ولا يرتابن أحد في شيوع الظلم وضياع الحقوق، إذا لم

يكن القضاء مبنيا على أصول تكفل العدل، وإيتاء كل ذي حق حقه.

ولذلك يصعب جدا أن نرد على الحكومة توجيهها إلينا ظلم النساء والإجحاف

بحقوقهن، بتطبيق الأمر على الواقع، وإن كان الرد عليها بالدلائل النظرية

والقواعد المنطقية سهلا ميسورا.

ومن هنا أقول: لا ينبغي لنا أن نطالب الحكومة بما أتى في هذه المادة بصورة

مبهمة مجملة، بل يجب علينا أن نقرن بها بعض الدلائل، قائلين مثلا نحن لا

نرغب في بقاء فصل الخصومات العائلية بأيدي قضاتنا؛ لكون هذا الأمر عادة

معروفة فينا منذ عهد قديم فقط، بل نطلبه لكونه أمرا دينيا بحتا أيضا؛ لأن حكم

القضاة غير المسلمين في مثل هذه الخصومات لا أثر له في نظر الشريعة الإسلامية

بل تحوير الفقه الإسلامي وجعله صالحا للحكم به في هذا الزمان راجعان إلى

علماء المسلمين أنفسهم.

وفي وسع الحكومة أن تؤلف لجنة من علماء المسلمين الكبار، وتنوط بها

وضع كتاب فقهي في الدعاوي العائلية وأبواب القضاء، والشهادات والدعوى

والبينات، وما شاكلها من المباحث حتى يتخذه القضاة الشرعيون (دستورا) ؛ للعمل

في القضاء، وفصل الخصومات:

ويمكن تلخيص كلامنا على هذه المادة في المباحث الآتية:

(1) كتبنا الفقهية لا تكفي اليوم لفصل الخصومات العائلية.

(2) بعض القواعد الفقهية لا يمكننا الجري عليها فى هذه الايام.

(3) القواعد الفقهية يجوز تغييرها بحسب اقتضاء الأزمنة والمصالح

العامة.

(4) فصل الدعاوي العائلية من الأمور الدينية.

(5) يجب وضع كتاب فقهي يكون عمدة للقضاة الشرعيين في قضائهم.

فنتكلم هنا على هذه المباحث الخمسة مبحثا مبحثا ولو باختصار، فنقول:

(المبحث الأول) : لو شئنا لسردنا هنا؛ لإثبات هذا المدعى دلائل كثيرة بيد

أننا لا نحب أن نطيل المقال بإيراد الأمثلة الجزئية المختلفة. غني عن البيان أن

كتبنا الفقهية ألفت في زمان لم تكن فيه البوسطة (البريد المنتظم الحاضر)

والتلغراف والتليفون، وما إليها من المخترعات الحديثة.

وكذلك لم يكن فيه دفاتر للمواليد والوفيات المنتظمة كاليوم، ولا محكمة

الإشهاد التي تعرف في روسيا (بالناتاريوس) ، ولا شهادة المحاكم والأطباء، ولا

النفي إلى سيبيريا مؤبدا أو مؤقتا بمدة مديدة، ولا الحكم بالانخراط في سلك المحكوم

عليهم بالأشغال الشاقة، وما شاكلها من النظامات المستحدثة في الدول المتمدنة اليوم.

مع أن لهذه المذكورات دخلا كبيرا اليوم في معاملاتنا ودعاوينا، وفصل الخصومات

وإعلان الأحكام.

ولا يتسنى تطبيق أحكام تلك النظامات الحديثة على ما في الكتب الفقهية إلا

لأفراد قلائل من نوابغ العلماء. والكتب التي لا تصلح أن تكون عمدة لكل قاض

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٨٣