الشرقيون. وقد أخذ بهذا السبب اليهود فكانوا فيه أبرع البشر، وهم يحاولون منذ
قرون أن يؤسسوا به ملكا، ولما يساعدهم القدر. فعلينا أن نبحث عن السبب الأول
للارتقاء فنطلب الأمر في إبانه، ونأخذه بربانه فإنه:
من طلب الغاية في المبدأ لا ... يؤوب إلا بالقنوط والشقا
ومن يسر سيرا طبيعيا لها ... يدرك بالتوفيق منها المنتهى
يرى العالم الاجتماعي: أن العلة الأولى لارتقاء الأمم هي الجمعيات، فلا
ترتقي أمة إلا بعد أن تنبه حوادث الزمان أفرادا من أولي الألباب فيها إلى وجوب
السعي لترقيتها ورفعة شأنها، وأول ما يجب عليهم هو تأليف (الجمعيات) ؛
للتعاون على ما يجب القيام به من الأعمال. فالجمعيات هي السبب الأول والعلة
الأولى لكل ارتقاء، بها صلحت العقائد والأخلاق في أوربا وبها صلحت الحكومات
وبها ارتقت علومها وفنونها، وبها عزت وعظمت قوتها، وبها فاضت ينابيع
ثروتها، وبها انتشر دينها في الخافقين، وبها سادت على المشرقين والمغربين.
أليست الجمعيات السياسية السرية هي التي طهرت أوربا من استبداد الملوك
والبابوات، وأزالت منها حكومات الأشراف، واستبدلت بها حكومات الجمهورية،
والملكية المقيدة بالقوانين، وسيطرة أهل الشورى من الأمة؟
أليست الجمعيات الدينية والخيرية هي التي أنشأت المدارس؛ لتعميم التربية
والتعليم، وأنشأت الملاجئ والمستشفيات؛ للمرضى والبائسين؟
أليست الجمعيات العلمية والفنية هي التي هذبت اللغات، ووسعت دائرة
العلوم والفنون، بما خصصت لكل فرع من فروعها رجالا يصبرون نفوسهم على
التحرير والتمحيص لمسائله وتأييدها بالتجارب وترقيتها بالاكتشافات والاختراعات؟
أليست الجمعيات المالية المعبر عنها بالشركات هي التي أنشأت المعامل
لجميع الصناعات، ومدت سكك الحديد في جميع الجهات، وسيرت في البحار تلك
الجواري المنشآت، وابتدعت البيوت المالية (البنوك) ؛ لتيسير المعاملات؟
بلى، إنه ما من عمل ارتقى إلا وكانت الجمعيات هي رقته، إن لم تكن هي
التي أوجدته واخترعته، فالجمعيات هي تظهر منتهى استعداد الإنسان للارتقاء، بل
هي التي تحقق معنى الإنسانية في هذا النوع، إذ لا معنى للإنسانية إلا حياة
الاجتماع والتعاون، فمهما قل الاجتماع في أمة ضعف معنى الإنسانية فيها، ومهما
كثر الاجتماع واعتز كانت الإنسانية أقوى وأكمل.
سبق الشرق الغرب إلى كل نوع من أنواع الارتقاء المدني. ولكن المدنية لم
تكمل في الشرق، ولم تبن على قواعد يؤمن سقوطها، ولذلك سقطت، وما ذاك إلا
أن قيامها كان بعمل الأفراد لا الجمعيات، فلولا هذه الجمعيات، لما كانت مدنية
الغرب الحديثة أرقى وأكمل وأجدر بأن تكون أثبت وأدوم.
وجدت الجمعيات السرية والجهرية في الشرق. ولكن انقصمت عراها، قبل
أن بلغت مداها، وجاء الإسلام بالتعاليم الاجتماعية، فجعل أمر المؤمنين شورى
بينهم أي: تقوم به الجماعة، لا يستقل به الأفراد، وأمر بتأليف الجمعيات للأعمال
النافعة بمثل قول الله عز وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر} (آل عمران: 104) ، وبمثل قول الرسول صلى
الله عليه وسلم: (يد الله على الجماعة) ومع هذا لم يكن حظ المسلمين من الجمعيات
أحسن من حظ سائر أهل المشرق، بل كان من سوء حظهم أن استحالت الجمعيات
السياسية، كجمعية الشيعة التي ألفت؛ لجعل الحكم في أهل البيت عليهم السلام،
وجمعية الخوارج المعروفة إلى مذاهب دينية، زادت المسلمين تفريقا وخذلانا.
وفسدت جمعية الصوفية الإصلاحية بعد أن ربت كثيرا من المصلحين، وصارت
جمعية الباطنية التي أسست لإفساد الدين الإسلامي جمعيات ومذاهب متعددة، لم يأت
منها إلا الشر والوبال على الشرق فترى أن جمعيات المسلمين السياسية ما أفسدها إلا
اصطباغها بصبغة الدين، بجعل تعليمها مذهبا يدعى إليه باسم التقرب إلى الله، وستر