وإصاخة الأسماع، وتشوف النفوس إلى ما قاله شيخ الأزهر، فيما عليه العامة من
الافتتان بالدجالين وقبور الصالحين.
دعي الشيخ حسن علي أحد علماء دمياط إلى قراءة قصة المولد في أحد
المساجد، فسمع الناس منه ما لم يعتادوا. سمعوا منه قصة ليس فيها شيء من
الروايات الموضوعة، والأكاذيب المصنوعة، مفتتحة بقوله تعالى: {لقد من الله
على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم
الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} (آل عمران: 164) فسروا
بما سمعوا، وانشرحت صدورهم. وكان مما ذكر في القصة خبر الهجرة الشريفة،
وفيه أنه صلى الله عليه وسلم قطع المسافة بين مكة والمدينة في مثل المسافة التي
يقطعها بها الناس، فسأله بعد ذلك سائل، لماذا لم يقطعها في لحظة، كما يفعل أهل
الخطوة من الأولياء؟ فأجاب؛ بأن مسألة الخطوة غير ثابتة، ولو ثبتت لكان النبي
- صلى الله عليه وسلم - أحق بها وأجدر، لا سيما في ذلك الوقت الذي خرج فيه مع
صاحبه عليه الرضوان مستخفيين من قريش؛ خوف أذاهم، ولكانت آية يهتدي بها
خلق كثير.
ويقال أنه سئل عن البقعة التي فيها قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، هل
هي من أرض الدنيا أم من الجنة؟ فأجاب: بأنها من أرض الدنيا، ولا أدري هل فسر
لهم حديث الشيخين في ذلك أم لا.
وسئل عن النقود التي تلقى في الصناديق التي توضع عند أضرحة المشايخ
والأولياء في المساجد، فأجاب: بأن هذا العمل غير مشروع، وأن الصدقة على
البائسين والمنكوبين، كأهالي المطرية الذين احترقت بلدهم في هذا العام، والبذل
في الأعمال العامة كإنشاء المدارس أولى وأفضل.
وسئل عن تقبيل أعتاب حجرات قبور الصالحين، فقال: إنه غير
مشروع بل هو بدعة.
ساءت هذه المسألة الأخيرة شيخ الصندوق في ذلك المسجد من دمياط، فأوعز
إلى خطيب من خطباء الفتنة؛ بأن يعرض بتضليل الشيخ حسن علي، ووسوس إلى
كثير من العوام بأن الرجل أنكر الكرامات، وأهان الأولياء، فقامت قيامة الغوغاء
عليه، فنمى الأمر إلى شيخ الأزهر، فأمر شيخ علماء دمياط بالتحقيق، فأظهر هذا
الشيخ وأعوانه من التحامل على الشيخ حسن ما أظهروا، حتى إنه كان يقبل شهادة
الطاعنين فيه، ولا يسمع شهادة المدافعين عنه (كما قيل) .
ولما علمت العامة بتحامل العلماء عليه، هاجت هيجانا شديدا حتى حاولت
الفتك به غير مرة، وصارت ترجمه بالحجارة أو الطوب إذا خرج، وترجم البيت
الذي هو فيه إذا لم يخرج. ثم رفع الأمر إلى مشيخة الأزهر، فعقد الشيخ حسونة
مجلس الإدارة للنظر في ذلك، وبعد النظر حكم بمنع الشيخ حسن علي من التدريس
مدة سنة كاملة، وبقطع مرتبه من التدريس في هذه المدة. هذا ما سمع وشاع.
قيل: إن الحكم إداري؛ سببه إساءة الشيخ حسن علي إلى شيخ العلماء في بلده
عند التحقيق، وهو قول معقول، إذ لو كان أخطأ في بعض المسائل الدينية، لحكم
عليه بعد بيان غلطه له وإقناعه بالصواب أن يعترف بالخطأ السابق، ويقرر
الصواب في دروسه على رؤوس الأشهاد.
ولكن العامة فهمت أنه عوقب على إنكار ما يسمونه الخطوة، أو طي الأرض
للصالحين، وتقبيل أعتاب الحجرات التي تبنى فيها قبورهم، ونحو ذلك من البدع،
وربما قالوا: إن الأولياء تصرفوا فيه، وهذا ما كنا نرجو أن يتلافاه الشيخ حسونه؛
لأن هذه الحادثة أحسن فرصة لنصر السنة ومحو البدع، بأن يظهر الحق للملأ على
ألسنة الجرائد.
الحق في هذه المسائل من البديهيات التي لا ينتطح فيه عنزان. أما مسألة طي
الأرض، وقطع المسافات الطويلة في دقيقة أو دقائق، فلم يأت بوجوب الإيمان بها
كتاب ولا سنة، ولم يقل بها أحد من الأئمة المجتهدين، بل لم يكن يخطر ببال
السلف، ولما حدث القول بذلك في الخلف استنكره بعض الفقهاء، حتى قال بعضهم
بأن من يعتقد جواز ذلك يكفر ويخرج من الإسلام، أو يحكم بجهالته وغباوته، كما