تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يبين طبائع البلاد والساكنين، ويجمع بين مصلحة الحاكمين والمحكومين، ويهديهم

إلى الطريق القويم، في نظام التربية والتعليم معرضا باستعداده لتنفيذ العلم بالعمل،

مصرحا بضمان تحقيق الأمل، وفي ذلك ما فيه من اعتماده على الله، وثقته بالقوى

والمواهب التي آتاه، يلوح لك ذلك في لوائح الإصلاح، وما فيها من إشراع مناهج

الفلاح.

ثم يبرزه لك في طور المبارزين للطاعنين على الدين المبين، فيتراءى لك أن

قلمه أمضى من الحسام، وكلمه أنفد من السهام، فهو بهما يكر ويصول ويجندل من

المجادلين الفحول، ولا ينثني إلا والحق غالب على أمره، والباطل مغلوب يأرز

إلى جحره، وحسبك من ذلك رده على موسيو هانوتو في قوله في طبيعة الديانتين

الإسلامية والمسيحية، ثم رده عليه في مسألة الجامعة الإسلامية.

ثم يريكه يجوب الأقطار، ويقطع أجواز البحار؛ للنظر في آثار الأولين

واستخراج العبر منها للآخرين، فتراه في صقلية مرة، يتصفح الصحف والأسفار،

ويستنطق العاديات والآثار، ويقرأ ما نقش على الجدران بالعربية؛ لتحقيق المسائل

التاريخية. ومرة يبحث عن الأخلاق والعادات، وينقب عن المنشآت والمستحدثات

يتردد بين الأديار والكنائس والمقابر والمدارس، ثم يزف ما استفاد إلى أمته، فيما

كتب عن رحلته.

ثم يكشف لك عن الحجاب، وهو يراسل العلماء والكبراء والكتاب، فتارة يتلو

عليك من كتبه إلى حزب المصلحين، وأهل البصيرة من علماء المسلمين ما تخشع

له القلوب، وتتحدر من وقعه الشؤون، فكأنك منه وقد عاد بك الإسلام إلى عصر

النبي - عليه الصلاة والسلام - فرأيت نفسك تتدفق غيرة على الدين، وتفيض

حزنا على ما حل بالمؤمنين، فلم يبق لها هم إلا أن تكون كلمة الحق هي العليا وكلمة

الباطل هي السفلى، أو كأنك معه في عصر الراشدين، كأنه معك أمير المؤمنين

يصول على الأرواح بمواعظه الصادعة، ويختلب الألباب ببلاغته الرائعة.

ومرة يشنف مسامعك باللؤلؤ والمرجان، من رسائل الوداد إلى الأصدقاء

والخلان، فيمثل لك الأدب الباهر واللطف الساحر، ويصور لك الوفاء في أجمل

صوره، والإخلاص في أجل مظاهره، والصدق في الحب على البعد والقرب،

ويريك من ذلك الرجل الحزين على أمته، المستغرق في عمل الإصلاح لملته،

أديبا ظريفا، ونديما لطيفا، حسن الأماليح مليح الأفاكيه:

حلو الفكاهة مر الجد قد مزجت ... بشدة البأس منه رقة الغزل

وآونة يقرئك مما كتب إلى المؤلفين بالعربية، أو المترجمين للكتب الأجنبية،

ما يرفع من أقدارهم، ويشب من نارهم، وما يشحذ غرار همتك ويزجي ركاب

عزيمتك، إلى أن تكون من زمرتهم، وتساهمهم في مثل خدمتهم.

وأحيانا يسمعك من تعازيه للمحزونين ومواعظه للمرزوئين بالأقربين ما

يحلو به مرير الصبر، ويرغب فيما عند الله من المثوبة والأجر، ويترك

القلوب مفثوءة الثائرة قد سكنت قدرها الفائرة، وأنشأت تشيع الأحزان، وتستقبل

السلوان.

ثم يختم لك ذكرى هذه الحياة الروحية، والآثار العقلية بشذرات من الحكم

المنثورة، والآيات المأثورة، فترى إجمالا ينبئ عن تفصيل وقليلا لا يقال له

قليل، كأنه صورة مصغرة لتلك الروح الكبيرة، أو عناوين لتلك الكتب

المسطورة على أن الكتاب كله نتف من أقواله ونموذج من أعماله، وأن آثاره

في النفوس لأعظم من آثاره في الطروس، فهو حي في الآخرة بما قدم من

عمل، حي في الدنيا بما ترك من أثر، يمثل حياته هذا الكتاب الناطق

وينشر خبرها الصحيح مريده الصادق.

... ... ... ... ... ... ... ... ... محمد رشيد رضا

... ... ... ... ... ... ... ... ... منشئ المنار

مقدمة الجزء الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ (الأنعام:

162) .

{أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات

سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} (الجاثية: 21) .

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٢٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٢٥