تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معارفه، وتشكر عوارفه، ولا غرو فإن للعلماء والحكماء في هذه الدنيا حياتين؛

حياة جسدية محدودة تبتدئ بيوم الولادة وتنتهي بيوم الوفاة، وهي الحياة الحيوانية التي

يشاركهم فيها سائر الناس بل سائر الحيوان. وحياة عقلية روحانية غير محدودة

وهي تبتدئ بظهور ثمرات عقولهم النافعة لأئمتهم، أو لكل من يجنيها من الناس،

وتدوم ما دام الزمان، وبقي من الناظرين في آثارهم إنسان، وقد كان الأستاذ الإمام

من خيرة هؤلاء العلماء، وأفضل أصحاب هذه الحياة من الحكماء، تشهد له بذلك

آثاره المرقومة في وجوه الصحائف، ومآثره المرسومة في ألواح القلوب:

تلك آثارنا تدل علينا ... فانظروا بعدنا إلى الآثار

يسفر لك هذا السفر من تاريخ هذه الحياة عن الرجل؛ وهو فيما دون العاشرة

منها (وفي نحو الرابعة والعشرين من حياته الطبيعية) ، تارة يحرر الواردات

الآليهة في حقائق علم الكلام الأعلى، ويسير في المزج بين عرفان الصوفية وبرهان

الفلاسفة على الطريقة المثلى، متمكنا من مقام التوحيد، متنكبا عن مقعد التقليد،

على حين لا توحيد ولا كلام عند المشتغلين بالعلوم الدينية، إلا حكاية بعض ما قاله

متأخرو الأشعرية، وتارة يقتبس أنوار الحكمة من أستاذه السيد جمال الدين،

ويفيض منها على عقول المستعدين، بما يكتب من المقالات في فلسفة التربية

والصناعات، وآونة يحبر الفصول الإنشائية، ويجلي المعاني العصرية، في

أثواب الأسجاع الحريرية، ويزفها كالخرائد على منصات الجرائد، داعيا إلى

استقلال الفكر، وتناول علوم العصر، حاثا على ترقية الأمة، حاضا على تجديد مجد

الملة، آمرا بالاتحاد على ترقية الأوطان، ناهيا عن التعصب الذميم بين المختلفين

في الأديان، فهذا مثال طور الطلب والتحصيل من حياة الرجل العقلية، يبتدئ في

الكتاب برسالة الواردات، وينتهي بالتحفة الأدبية.

ثم يمثله لك في طور آخر. وهو تارة بين أرباب الرياسة، يرشدهم إلى طرق

الإدارة والسياسة، ويهديهم سبيل الرشاد؛ لترقية الرعية وعمران البلاد، وتارة

يشرف على الأمة بالوعظ والتعليم، ويسلك بها صراط الحياة المستقيم، ببيان

غوائل السرف وفوائد الاقتصاد، وتقويم النفوس بعقائل الفضائل وأحاسن الآداب،

بعد تطهيرها من لوث الخرافات، ومساوي التقاليد والعادات، يهبط على الفلاح في

حرثه فيخاطبه بما يفهم، ويعرج بطالب الحكمة إلى أفقه فيعلمه ما لم يكن يعلم،

وهذا هو المثال الأول لطور العمل، من الحياة المعنوية للرجل، تجليه لك مقالاته

في جريدة الحكومة الرسمية، وجل عمله فيها خاص بإصلاح حال البلاد المصرية.

ثم يجليه لك مع أستاذه في الديار الأوربية، متحدين على إرشاد جميع الشعوب

الإسلامية، السيد الحكيم يقترح ويدبر، والأستاذ الإمام يكتب ويحرر،

يدعوان إلى العروة الوثقى التي لا انفصام لها، ويجمعان القلوب على الوحدة وكانا

أحق بها وأهلها، هنالك تتجلى لك روح القرآن، هابطة من سماء الحكمة والعرفان

مؤيدة بالعزة والسلطان، تطوف بتلك العروة البلاد، وتصافح قلوب أهل الاستعداد

فتحييها حياة جديدة، وتجذبها إلى عيشة سعيدة، هنالك ترى الإلهام الإلهي يمد بتأثيره

العلم الكسبي، فيصيبان مواقع الإقناع من العقل، ويبلغان مواضع التأثير من النفس

فلا يقرأ القارئ ما في العروة من بيان حال المسلمين، وأسباب ما أصيبوا به من

البلاء المبين وما تطب لدائهم، وتصف من دوائهم إلا وينثني أسير البرهان مملوك

الوجدان بالإذعان، مندفعا إلى العمل بذلك البيان بالجنان واللسان والأركان وذلك طور

مستوى القوة وكمال الفتوة، ومنتهى علو الهمة، وبيع النفس والوقت للملة والأمة.

ثم يظهره لك رابضا في الديار السورية، يعمل لإصلاح الإسلام بإصلاح

الدولة العثمانية، أو مقيما في الديار المصرية، يبين لأولي الأمر طريق الإصلاح

بالتربية الدينية، وهو في القطرين يتكلم عن فهم ثاقب، ويرمي عن فكر صائب،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٢٤